الرئيسية » حضاريات » أول الغيث قطرة: قراءة في أفكار سهيل فرح حول حوار الحضارات والأديان

أول الغيث قطرة: قراءة في أفكار سهيل فرح حول حوار الحضارات والأديان

         ي.ف. شيلكوبلياس

مدير معهد تطوير ودراسة صحة وتكيف الإنسان.

دكتوراة في الفلسفة من الجمعية الدولية لتطوير العلوم والتعليم

دكتوراة في علوم الطب، عضو مراسل في الأكاديمية الدولية للتعليم والعلوم، وفي المعهد المركزي للاقتصاد والرياضيات

عضو دائم في أكاديمية فلسفة الاقتصاد التابعة لجامعة موسكو الحكومية.

حياة المجتمع المعاصر مليئة بالمتغيرات والأحداث، ولكن حتى الأحداث التي ترافقها حملات إعلامية قوية لا تعكس عادة إلا بعض المتغيرات البسيطة – شيء من عالم الموضة أو الشائعات التي تدور حول المشاهير من الرياضيين والفنانين، والفضائح التي تلف المتهمين بالفساد ومحاكماتهم. وبطبيعة الحال، تنشر أحيانا أخبار جدية – سياسية وعلمية وعسكرية. فكيف يمكننا أن نحدد ما هو الأهم بالنسبة للإنسان والمجتمع؟

نظرية التطور الأمثل للإنسان والمجتمع والمطورة من قبل كاتب هذا المقال تشير إلى أن المعنى الأهم لحياتنا هو خلق ظروف للعيش في المستقبل، وما تبقى تفاصيل. ومن هنا يبدو واضحا أن ما يمتعنا اليوم أو في المستقبل القريب هو ما يؤدي إلى هلاك الإنسان في المستقبل لا يساوي شيئا.

مع الأخذ بعين الإعتبار ما ذكر أعلاه، من الأهمية بمكان الإشارة لا للأحداث وإنما للعمليات التي بادر بإطلاقها عالم الديانات والثقافات، العالم العربي الذي يعيش في روسيا، رئيس الجامعة الدولية المفتوحة «حوار الحضارات» البرفبسور والأكاديمي في الأكاديمية الروسية للعلوم الطبيعية، والأكاديمية الروسية للتعليم، استاذ سابق في الجامعة اللبنانية الدكتور سهيل فرح. وهو مؤلف ومعد عشرين  كتابا. من بينها ” خوار و شراكة الحضارات “، «حوار الثقافات والأديان»، «حوار الثقافات : تجربة روسيا والمشرق»، «تكون الحضارة النيوسفيرية» وغيرها.

وقد شارك كل من العلماء الروس والخبراء من شتى بقاع العالم في تحضير المواد لغدد من الكتب العميقة والممتعة.التي نشرها بالروسبة والدي قام بأعدادها و شارك في تأليفها الدكتور فرح.   وأسماء هذه الكتب تعكس فحوى هذه الأعمال الهامة التي بادر اليها هذا العالم.

يمكن لكل ما هو موجود في العالم بطبيعته أن يتفاعل بانسجام أو في ظروف غياب الانسجام (وهو الحالات التي تؤدي إلى الأزمات الهدامة والى الخراب) . وفِي عدا السياق تشكل الثقافات والأفكار الدينية لب هذه الثقافات، وكذلك الحضارات التي تجسد هذه الأفكار من أكبر الظواهر الاجتماعية الطبيعية، ولا يمكن للإنسان أن يعيش خارجها. في يومنا هذا، مسائل البحث عن الانسجام وتفاعل الثقافات والحضارات باتت مسائل حياة أو موت بالنسبة للدول والبشرية. قيل الكثير ومنذ زمن بعيد عن الحوار، يبد أن الدكتور سهيل فرح بدأ هذا الحوار الضروري بالفعل. مدشنا في البداية النقاش  خول  إحدى أصعب المعضلات. من الزاوية العلمية  و اعني بذلك  حوار الأديان . هناك نقاط ضعف في العلوم وفي نفس الوقت فيها نقاط قوة، فبدراسة القواعد العلمية التي تحكم العالم بما فيها القواعد العليا التي تعلو دائما على الذات البشيرية، تنتقد العلوم ذاتها وتتفادي الأحكام العاطفية. حدود إمكانيات العلوم تتجسد في اعترافها بعدم تمكنها من فهم الصورة الكاملة للعالم من الزاوية العقلانية.

الديانات التي تصور العالم عبر الغريزة والعقل الباطن تمكنت مشف بعض  أسس القواعد الاخلاقية و الاكسيولوجية للبشر و لعل في بعض الأحيان  أكثر من العلوم.

ولعل انخراطه المبكر في تفعيل خوار الحضارات و الثقافات و الأديان والمعارف و إنتاجه اهذا الكم الوفير من النتاج العلمي و الثقافي جعل منه موضع تقدير من قبل عدد من الفعاليات في اكثر من دولة . حيث حاز  الدكتور سهيل فرح على عدة جوائز من الحكومة الروسية لتحقيق إنجازات  ملموسة في مجال حوار الثقافات والحضارات.

وفكرة الروحانية التي تتبلور في الأفكار الدينية لكل مجتمع تقع في صلب طريقته العلمية والعلمية – الدبلوماسية. وعدا ما يلمسه المرء في كتابه ” الروحانية العلمانية : تجربة المسيحية و الاسلام الذي صدر في موسكو  عن معهد الاستشراق الروسي في عام ٢٠٠٨.

من المعلوم أيضا أن الاختلافات موجودة لَبْس فقط  بين ممثلي الديانات التي نشأت في أماكن مبتاعدة جغرافيا فقط، بل وبين الديانات التي نشأت من نفس الجذر، وخير مثال على ذلك هي الديانات الإبراهيمية – اليهودية والمسيحية والإسلام. رغم أن الكثير من تعاليمها الأخلاقية متشابهة.

الدكتور سهيل فرح الذي ترتبط جذوره بالمسيحية الاررثوذوكسية ، هو في الواقع يحمل مجمل الموروث الثقافي لشعوب منطقة  الشرق الأوسط، ودائما ما يشير إلى العديد من السمات المشتركة بين المسيحية والإسلام وهو محق بذلك، كما أنه للثقافة الإسلامية دور في الحوار بين الغرب والشرق. ويدعو الدكتور فرح إلى الانسجام المركب للثقافات الفريدة في العالم الأكثر استقرارا وقدرة على البقاء بالمقارنة مع النمط الواحد الذي تقدمه الأيديولوجية الغربية للحضارة «الليبيرالية» التي تسعى بفبركة أنماط و تفكير الانسان ضمن رؤية احادية معينة ، علما بأن عالم  الإنسان  بعبش بشكل ديناميكي  ضمن قانون التطور و التكيف المليء بالمتغيرات.

ويشدد الدكتور فرح على أن التوجه العام لتفاعل الحضارات في القرن الواحد والعشرين سيكون الإنتقال من المواجهة والصدام  إلى الحوار والتعاون والشراكة. إلا أن هذه العملية لا يمكن أن تجري بطريقة عفوية ومتوازنة ومستوية. وعادة ماتكون المراحل الانتقالية، شاهدة على قدوم حقب تاريخية جديدة في الحضارات العالمية، وتشهد على تغير موازين القوى في العالم، وتغيير بنيته السياسية، وعليه تكون المراحل الأنتقالية مراحل ازدياد الأزمات والتوتر والتناقضات وخطر صدام الحضارات.

حل التناقضات الاجتماعية حسب الافكار الدينية الفلسفية للعالم الروسي نوفوغورودتسيف يكون ليس عبر التطور الطبيعي للعلاقات بين الناس، بل عبر انقطاع هذه العلاقات عادة، أو بسبب الكوارث والنجاة منها فيما بعد. في ظروف الحياة على الأرض، التجاوز الرمزي للتناقضات المذكورة أعلاه هي الطريق الوحيدة، ويأتي عبر التعاون المتبادل بين الناس، والتضحية والمحبة وأحيانا الأعمال البطولية، وعادة ما يكشف ذلك عن مستوى الأخلاق والسخاء لدى الإنسان. كما يكشف عن الهامش الوجودي بين واقعنا وبين العالم الذي نسعى إليه. هذه هي تراجيديا وجودنا على الأرض ولا مفر منها، وهي الجمال الأعلى في نفس الوقت «”النور يُشرق في الظلمة، والظلمة لا تقوى عليه” ((1:5

من أبرز معضلات الوقت المعاصر والتي تخلق أزمة حضارية عالمية هي تعثر  المنظومة الأخلاقية اللاإنسانية والمبنية على حب الذات، والتي تبرر أي تصرفات من أجل الدخل المادي والدفاع عن العقائد الدينية.

إن الأخلاقيات السائدة الآن سواء في الحضارات الغربية أو الشرقية تبتعد أكثر فأكثر عن الديمقراطية، وتحتكر  جوانب عدة من الحياة إن لم تهيمن على كامل حياة «الغالبية الصامتة»، وتضعها في تصرف حفنة من «المختارين» الذي يريدون تحقيق مصالحهم وأطماعهم، وهم «المختارون» في الواقع أناس رؤيتهم محدودة بائسون تعياء في حياتهم – زعماء منظمات قومية او مافيات أو تشكيلات إرهابية، وساسة ومدراء شركات عابرة للقارات ومن كبار للاعبين في بورصات الأسهم ودجالون وغيرهم من أمثالهم، من غير المبالين بالمعنى الأعلى لوجود الإنسان والدولة.

بيتيريم سوروكين في عمله الشهير (السلطة والأخلاق) يبين إلى أي مدى يمكن للنخبة الحاكمة التي تقرر مصائر الشعوب والحضارات يمكنها أن تكون بعيدة عن الأخلاقيات. وقد أثبت سوروكين عبر بحث سوسيولوجي أن مستوى الجريمة في صفوف رجال الدولة أعلى من مستوى الجريمة في صفوف عامة الشعب. ويمكن الجزم بأن البشرية المعاصرة تعاني من آفة أخلاقية اسمها الأنانية، أو حب الذات (إيغويزم)، وتتسبب هذه الآفة بانحلال الأجيال الصاعدة ونظرتها المحصورة بالمعاني القصيرة والصغير للحياة المادية.

رغم ذلك، مازالت هناك فرصة أمام البشرية والحضارة للتوقف والعودة إلى الوراء، ولا بد لذلك من القيام بثورة أخلاقية أخرى عبر تشكيل ونشر وغلبة الأخلاقيات الإنسانية النيوسفيرية.

نظرية « التطور الأمثل للإنسان والمجتمع التي نعمل عليها) قريبة من طروحات  الدكتور سهيل فرح تلك التي تلتقي وتتناغم مع نظرته لحوار الحضارات والأديان والثقافات. اذ تتيح إمكانية التعمق في الجانب الأنثروبولوجي للأبحاث في الثقافة المعاصرة والفلسفة، وبذلك ترفع من فاعلية عمل معقد وذو أهمية بالغة. في تفاعل العلماء من شتى أصقاع العالم ومن مختلف الديانات والثقافات والباحثين عن الحقيقة، نرى مثالا واضحا على السوبورنست او التجانس الوجودي لين الانسان والمجتمع و رب الأكوان  الموجود في الثقافة الأورثوذوكسية، تلك التي صاغ خطوطها المعرفية أليكسي خومياكوف – الفيلسوف والشاعر والطبيب والمهندس الروسي، الذي عاش في القرن التاسع عشر قال: «لا يبلغ تفكير شخص واحد الحقيقة، بل يبلغها مجموعة مفكرين تربطهم المحبة. خالق ومصدر العالم هو إرادة العقل أو الإدراك». نؤمن بأن هذه الفكرة بناءة في يومنا الحالي.

بدأ الدكتور سهيل فرح عملا كبيرا، وإن لم نزرع سوى البذرة الأولى بعد في الحقل الذي علينا أن نرى نمو حضارة كاملة متطورة بانسجام عليه، إلا أنه من الضروري أن لا ننسى أننا إن لم نبدأ فلن ننجز أي عمل.

المراجع:

١-حوار الحضارات والأديان: ر.غ. أبدولاتيبوف، ي.ف. بيستوجيف لادا، أ.أ. غوسينوف وغيرهم: اعداد و تقديم سهيل فرح، دار نشر جامعة قازان الاتحادية ، قازان ٢٠١٧.

٢- حوار الثقافات في عالم العولة: تأليف مجموعة من الباحثين : اعداد و تقديم سهيل فرح، تحرير بوري يكوفتس و ف. إيلين ، إصدار دار نشر جامعة موسكو الحكومية، موسكو ، ٢٠١٧.

٣- تكون الحضارة النيوسفيرية: تأليف أورسول أ.د، اوريول ت.أ. فرح سن، إصدار جامعة شمال القفقاس الفيدرالية ، ستافروبولي ، ٢٠١٦.

٤- شيلكوبلياس  ي.ف. مدخل في نظيرة الكريق الأكل للتطور : تحليل العمليات الاجتماعية وهيئة المستقبل. ، إيفانوفا، ٢٠١٨.

 ترجمة محمد حسان

اترك تعليقا