الرئيسية » حضاريات » أمام تحديات الخصم والطبيعة (5) – د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة (5) – د. سهيل فرح

القوة الذكية الروسية

البطولات الفردية والجماعية، لا تصنعها فقط قوة الإرادات والعقائد والإيديولوجيات، بل يكون عادة ورائها ما يمكن أن نطلق عليه اسم القوة المعرفية الذكية المرتكزة على آخر مستحدثات العلوم والتقنيات. والعقل الروسي في هذا المجال بارع جدًا منذ انتصاراته الأولى أثناء فتوحاته الكبرى من أجل التموضع والعيش الدائم في أكبر مدى جغرافي أوراسي، وأعنى بذلك حتى

قبل تأسيس كييف أم المدن الروسية مرورا بأطلاق الأمير فلاديمير دعوته الدينية والسياسية الكبرى في أواسط القرن التاسع وحتى تبوّأ فلاديمير بوتين السلطة في اليوم الأول من الألفية الثالثة.. ولعلّ خير دليل على ذلك ما تشهده القوة العسكرية الروسية الراهنة من تطوير نوعي لأدائها على كل الجبهات. الأمر الذي يعطي لمعنى البطولة الفعالة بعدًا تكنولوجيًا وحضاريًا من نوع جديد.

إنّ اكتشافات كبار العلماء الروس لتقنيات عسكرية هائلة القوة التدميرية ، التي ساعدت على أنزال الهزائم الكبرى لدى الإعداء ، لم تنحصر فقط بإنجازات ساخاروف وكورتشاكوف وآلاف من المهندسين والمخططين الشديدي الذكاء، بل إنّها إمتدت لتشمل تاريخ الإبتكارات العسكرية في كل فترات التاريخ المعاصر للروسيا. مثال ساطع على ذلك  مجمل المعلومات التي عبّر عنها الرئيس الروسي بوتين في خطابه السنوي أمام مجلس الاتحاد في الواحد من مارس (آذار) 2018، تعطي صورة ساطعة عن مدى تقدّم هذه القوة الذكية الروسية المعاصرة التي يكمن ورائها عقول كبرى ومؤسسات صناعية ناجحة.

لقد تزايدت الضغوطات العسكرية على روسيا بعد انحلال حلففارصوفيا، إثر انحلال الاتحاد السوفياتي، وإخلال حلف الناتو بالكثير من تعهّداته حيال أمن روسيا وحدودها الجغرافية ومداه الأوراسي الجيوسياسي و لقد ظهر الضعف الروسي بأسوأ مظاهره أثناء انبطاح الرئيس الأول لدولة الاتحاد الروسي، بوريس يلتسين و بطانته أمام الغرب في حقبة التسعينات من القرن العشرين، الأمر الذي ألحق الهزيمة المعنوية الكبرى بالإنسان أولا وبالاقتصاد وبالناس وبالزراعة والصناعة والقوة العسكرية الروسية. ففي زياراتي لموسكو في بداية تلك الفترة كنت أشعر كم هو مهان المواطن الروسي ككل والجندي الروسي بخاصة. وكنت، ألمس بأمّ العين، كيف أنّ ظواهر البطولة الروسية على جبهات القتال، في المراحل الأولى لحرب الشيشان تكاد تكون معدومة. فالجيش آنذاك ومعنوياته وقدراته ونقاط هزائمه والقليل من قوته، كانت تعكس حالة الهوان والتقهقر الذي كان يعيشه المجتمع الروسي ككل في تلك الفترة.

لقد اختطف في تلك الفترة المستشارون الغربيون،ومعهم الروس الذي فتحوا أشداقهم حتى أعاليها، أمام “الجنة الليبرالية الموعودة” كل صفحات البطولة وروح العنفوان والعزة والبطولة الوطنية الروسية. وهيمن على واجهة المشهد السياسي والمالي والأمني وحتى ” الثقافي”، جماعة من البشر الذين مثلوا الوجه الأخفت وهجًا ورؤية والأكثر جشعًا وخيانة في المنطقة المعتمة للشخصية الروسية… واستمرت الطاقة الوطنية، الذكية والحكيمة، مغيبة عن دائرة صنع القرار طوال العقدين الأخيرين من القرن العشرين… إلى أن انتفضت القوة الوطنية والذكية الروسية على عثراتها وخطاياها ونقاط ضعفها. ومع ظهور ربان السفينة الجديد بدءًا من اليوم الأول للألفية الروسية، بدأت الطاقة الروسية بكامل عناصرها الأربعة الروحية والعقلية والنفسية وحتى الفيزيولوجية بالتعافي التدريجي، الأمر الذي انعكس إيجاًبًا على عدد كبير من مجالات الحياة. بيد أنّ الجانب الأكثر معافاة التي ظهرت فيه القوة الذكية الروسية، تمثلت بشكل أساسي في قطاع الإنتاج العسكري. وتحديدًا منذ تبوّأ وزير الدفاع سيرغي شايغو، منصب وزير الدفاع الذي عمل وبفترة قياسية صغيرة مع فريق عمل محترف و بالتعاون مع عدد كبير من المؤسسات العالية التنظيم و الكفاءة علىاستنفار القوة الذكية لدى العلماء والضباط العارفين الروس باستحداث تقنيات عسكرية. والتي أثبتت جدارتها في المختبراتومن على بعض ساحات القتال. فهي، وبعرف كبار الخبراء العسكريين في العالم، من أحدث وأقوى وأفعل الأسلحة القتالية في العالم.

بحنكته تنبه الرئيس بوتين منذ عام 2003، بأنّ الأميركيين، لا يريدون أن يحترموا ولا أن يتقيّدوا بالعديد من اتفاقيات نزع الأسلحة النووية والكيميائية وغيرها.  عمل الرئيس مع مستشاريه العسكريين و علمائه و بظروف مطبقة السرية و بصمت عميق، وجهد دؤوب طوال عشر سنوات. والنتيجة ظهرت مفاجأة للاختصاصيين و الهواة.  بدت مفاجأة كبرى للغرب تحديدًا، حيث أعلن بوتين في خطابه الشهير في 1 مارس 2018 عن اختراع 80 صاروخًا باليستيا جديدا لا يوجد لها مثيل في العالم، يمكن إطلاقها من 50 كلم إلى 15 ألف كلم، وفق أنواع الصواريخ المطلوبة.

وتمّ اختراع 102 من الصواريخ الباليستية للغواصات والمدمرات البحرية وحاملات الطائرات والمرافئ البحرية. وأطلق على أحد الصواريخ تسمية “بوري” أي “البرق” المختص بالتحليق فوق المياه على علو 10 أمتار، وإصابة البوارج والغواصات والقواعد البحرية. كما تمّ اختراع منظومات دفاع تعجيز مثيلاتها الأميركية والأوروبية من اعتراضها، لأنّها لا تراها، فهي تقوم بالالتفاف والمناورة في الجو ولا تأخذ طريقًا واحدًا نحو الهدف ولا شيء يمكن إيقافها.

واستحدثت القوة العسكرية الذكية الروسية صاروخًا مجنحًا هو أسرع صاروخ في العالم تصل سرعته الى 20 مرة بسرعة الصوت. فالكثير من الخبراء العسكريين وفي معظم البلدان يشيرون بإنّ هذا النوع من الصواريخ هو بدوره، فريدًا من نوعه ولا أحد يملك مثيلاً له في العالم.

وتمّ انشاء منظمة الصواريخ الجديدة العابرة للقارات حملت اسم “سارامات” بسرعة 20 مرة سرعة الصوت، ترتفع خلال 12 ثانية، وتصل الى أعلى طبقات الفضاء وتتجه الى هدفها بسرعة 8 ثوان، وتسقط بدقّة نحو هدفها بـ ثوان. وهي أيضًا بدورها تحمل طاقات تدميرية لا مثيل لها في العالم، حيث يبلغ وزن الصاروخ أكثر من 200 طن. وتمّ في سياق استخدام القوة الذكية مركبة مسيرة قادرة على الغوص إلى أعماق غير محدودة، تصل إلى أعمق أعماق البحار والمحيطات، الأمر الذي يسمح لها مراقبة كل الغواصات في العالم، وهي قابلة على السكن مع كامل طاقمها لمدة سنة في عمق المحيطات، لا تتحرّك، وفي حال حركتها تتمكّن من تدمير كل السفن والأساطيل المعادية في البحار.

وتمّ الإعلان أيضًا عن منظمة صاروخية أخرى تحمل إسم “كينجار” (الخنجر)، فهذا الصاروخ تحمله الطائرة الضخمة ويصل إلى نقطة هدفه خلال دقائق وتفوق سرعته، سرعة الصواريخ المماثلة الأخرى 10 مرات. كما أنّ القوة الذكية الروسية تعمل على منظمة صواريخ منا لجيل الجديد تحت اسم “أبناغار” والذي يعتبر أحدث سلاح صاروخي في العالم يتفوّق على الغلاف الجوي فوق الأرض، ثمّ يدخل الغلاف على مدى العابر للقارات وهو أسرع من الصوت بــ 25 مرة.

هذا الحديث لا يشمل استحداث طائرات السوخوي ومنظومة الدبابات والمدافع والرشاشات التي تصنف بما يسمّى بالأسلحة الكلاسيكية. كل هذه الإنجازات التي تعتمد على أحدث المناهج وتقنيات البحث في العلوم الفيزيائية وغيرها، تعطي صورة جديدة عن إنّ القوّة الذكية الروسية التي أحدثت نقلة نوعية في عناصر القوة الروسية، ليس العسكرية فقط، بل وأيضًا في نقاط القوة البطولية الروسية أمام التحديات المتعاظمة الخارجية وحتى الداخلية. هذه القوة الذكية هي وإن كانت في جانب هام منها تأخذ طابع التحدي للضغوطات العسكرية والعقوبات الاقتصادية المتتالية الخارجية، إلاّ إنّ مردودها وتداعياتها ستترك آثارها القريبة والبعيدة على تحديث العديد من الصناعات الجديدة المرتكزة على الاقتصاد الرقمي وعلى نهج التنمية الشاملة والدائمة.

و لكون الحديث يجري عن الجانب العسكري من مفهوم و تجليات “البطولة” الروسية، فأن كل تاريخ صنع تلك البطولات عادة ما تشعل شرارته هذه الجهة أو تلك، إلاّ إنّ نتيجتها، وإن كانت دائمًا ما تسبّب الدمار الكبير للبنى التحتية وتلحق الخسائر الجسيمة في البشر، فإنّ حصيلة الحروب و في معظم نتائجها  دائمًا ما تكون لصالح الروس من خلال تمددهم في الجغرافيا. وبين الحربوالسلم  و أمام كل أنواع تحديات الطبيعة والخصوم تظلّ النفسية الروسية دائمة القلق على أوضاعها المعيشية، علما بأنها من جهة أخرى تشعر بأن ظهرها محميا بقوة من جراء القوة العسكرية القوية البنيان والإرادة.

د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة (1) — د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة: الجسد الروسي وانتصاراته الرياضية، نماذج لبطولات رياضية خارقة (2) — د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة: مآثر الرياضة في زمن الحرب (3) — د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة (4) — د. سهيل فرح

اترك تعليقا