الرئيسية » حضاريات » أمام تحديات الخصم والطبيعة: الجسد الروسي وانتصاراته الرياضية، نماذج لبطولات رياضية خارقة (2) – د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة: الجسد الروسي وانتصاراته الرياضية، نماذج لبطولات رياضية خارقة (2) – د. سهيل فرح

الجسد الروسي وانتصاراته الرياضية

من يتتبع تاريخ الانتصارات الرياضية، تحديداً تلك التي نشأت وتطوّرت وأعطت ثمارها في البلدان الباردة المناخ، يجد بأنّ العديد من المهرجانات الرياضية العالمية المستوى والتنظيم، يحتل فيها الرياضيون الروس المراتب الأولى. فيها حصدوا المئات من الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية وتحديداً في ألعاب التزلج على الجليد، والهاكي وكرتي السلة الطائرة، والشطرنج وألعاب الجمباز والقوى والمصارعة وغيرها، باستثناء كرة القدم وبعض الألعاب الأخرى التي لم تظهر حتى اللحظة التاريخية الراهنة تميزها وفرادتها.

مقياساً للجغرافيا الأوسع على هذا الكوكب، قد تكون النتيجة هذه مبررة. إلاّ أن الجوهر لا يكمن هنا لا في الجغرافيا المناخية ولا حتى بقلة تعداد السكان على هذه الجغرافيا المترامية الأطراف، بل لعل الأسباب تكمن في أماكن أخرى من الإرادة الإنسانية الروسية. وأحيلها لسببين أساسيين. قدرة الجسد الروسي على تحمل المصاعب الكبرى والصغرى المتأتية من ضغط المناخ وضغوطات الخصم البشري. والسبب الثاني الرغبة الجامحة ليكونوا في الطليعة رغم قلة الامتيازات والإغراءات المقدمة للرياضيين مقارنة مع زملائهم في البلدان الغنية.

من الصعوبة الكبرى بمكان قهر الكرامة الروسية أي كان مصدرها، مثال واحد صارخ منها، هو ذاك المناخ الشديد التسيس، الذي عاشته وتعيشه المنظمة الأولمبية العالمية في الأربعين سنة الأخيرة، الذي تمثل في محاولة فبركة كل أنواع الاتهامات والضغوطات على الرياضيين الروس، منذ الفترة السوفياتية و حتى تاريخه، وذلك للحؤول دون حصولهم على الجوائز الأولى، أو حتى المشاركة في المباريات الأولمبية في هذا البلد أو ذاك. بيد أن تلك الضغوطات الخارجية عادة ما أتت وتأتي بنتائج عكسية على صانعيها، فهي لم تزيد الطاقة الرياضية الروسية إلا تماسكا وحصدا  جديدا للبطولات الأولمبية. ولعل مجمل نتائج ألعاب سوتشي الأولمبية في عام 2012، وإحراز الفريق الروسي للهوكي الميدالية الذهبية في ألعاب سيول الأولمبية في عام 2018، وغيرها الكثير – الكثير من النتائج الباهرة للرياضات المتنوعة، هي خير دليل على صلابة الجسد وقوة الشكيمة وبرهان  متجدد على بطولة الروح الروسية المتحدية لكل أنواع الشدائد.

وفي هذا البحث سنختار عينات منتقاة من فترات زمنية وأحداث كبرى ومهرجانات محلية وعالمية، تحاول تسليط الضوء على أسرار القوة والضعف في الجسد الروسي وقدرته في معظم الظروف على اجتراح الانتصارات الرياضية الكبرى.

 نماذج لبطولات رياضية خارقة

لم يسمح المجال لذكر الانتصارات الرياضية كلها، لأنها من الوسع بمكان بحيث يحتاج المرء لكتابة موسوعات ضخمة عنها. يمكن اختصارها بكليمات قليلة إنها تصدرت فعلاً أسطع صفحات الرياضة العالمية قوة وإشراقاً في المئوية الماضية. وهذه الانتصارات عادة ما كانت مرتبطة بمنظومة القيم الوطنية الروسية. وأبرز عناوين هذه القيم إلى جانب العامل الروحي الثقافي والفني فيها، هي الاعتزاز الروسي بتاريخ انتصاراته العلمية والثقافية والديبلوماسية والتكنولوجية والعسكرية والرياضية. وهذا ما يشكل بدوره المنبع الأهم لتربية الشبيبة الروسية على روح التمسك والاعتزاز بهذا القيم. فلقد كانت واسعة الحضور في الحقبة السوفياتية، إلا أنها انكفأت إلى حين في الثمانينات والتسعينات من أواخر القرن العشرين، لتعود وتنبعث من جديد.

 والموروث البطولي الروسي الرياضي تمسك أيضاً برسالة ومتطلبات الألعاب الأولمبية. فالمبدأ الذي أرثاه مؤسس الحركة الأولمبية المعاصرة بير دي كوبرتان “الأسرع فوق الأقوى”، ارتبط بدوره بمبدأ آخر وهو يتوجب على الأولمبي أن يكافح من “أجل عزة وطنه ومجد الرياضة”.[1]

هذه المبادئ كانت تشكل المحفز الوطني والثقافي للرياضيين الروس الذين دخلت أسماءهم السجل الذهبي للألعاب الأولمبية في أكثر من ميدان. فعندما احتفل الروس في عام 2008 بالذكرى المئوية للحصول على الميدالية الذهبية الأولى الأولمبية والمرتبطة بلاعب التزحلق على الجليد نيكولاي بانين، أرادت من ذلك أن تخلّد اسمه، لذا استحدثت جائزة حملت اسمه وهي تمنح عادة لأولئك الروس الذين يرفعون “عزة الروسيا ومجد رياضتها”. فنيكولاي بانين هو شخصية أسطورية رياضية، مثل في الوعي التاريخي الرياضي المعاصر للروس، نموذج البطل الوطني الكبير، المتعدد المواهب الرياضية ومجترح المآثر. فهو الذي منح بلده الميدالية الذهبية الأولمبية الأولى في التزلج على الجليد في عام 1908، أحرز ميداليات أخرى في رياضة القوس والنشاب وغيرها من الرياضات الأخرى. وأسهم في تأسيس العديد من الألعاب الرياضية وتكوين أجيالاً من الرياضيين قبيل الحرب الوطنية العظمى وأثناءها وبعد الانتصار على الفاشيين. الأمر الذي دفع وزارة التعليم السوفياتية آنذاك منحه درجة دكتوراه في العلوم التربوية.[2]

نموذج رياضي أسطوري آخر هو لاعب الهاكي فاليري خارلاموف، الذي شغل قلوب كل الرياضيين الروس لا بل الأجانب بما فيهم خصومه وتحديدا الكنديين منهم.  فهذا الرياضي الذي حصد ميداليات ذهبية في بطولات عالمية، بينها في دورتين أولمبيتين كبيرتين، ومنح لقب البطولة السوفياتية لأكثر من 11 مرة، تحول بعد انتصار فريق الهوكي الروسي في عام 1972 على خصمه الكندي الأقوى عالمياً آنذاك، والتي أطلقت عليه الصحافة الرياضية “ماتش القرن”، إلى ملهم لكل من يحب هذا النوع من الرياضة. وتحولت إنجازاته الرياضية إلى موضوعات تربوية شيقة لبرامج تلفزيونية ولأفلام سينمائية، منها فيلم رقم 17 الواسع الشهرة والذي حمل عنوان نفس الرقم الذي كان يحمله خارلاموف في المباريات. وتحول هذا الموروث الرياضي الى ظاهرة وطنية “هوكية” يهتدى بها. ودخلت أسماء مثل خارلاموف وتاراسوف (المربي الرياضي الشهير) وترتياكوف وفيتيسوف إلى أعلى قائمة الرياضيين الذي صنعوا المجد للرياضة الروسية.[3]

وكل هذه الانتصارات كانت شديدة الالتصاق بثلاثية الرموز الوطنية الكبرى للروس وهي العَلَم الروسي والنشيد الوطني وشعار الدولة. وكلما ترفع هذه الرموز الروسية عالياً في المهرجانات الرياضية الدولية يرتفع القلب الروسي فخراً بأبنائه وبوطنه ويشكل مع الزمن موروثاً ثقافياً تتربى الأجيال على اساسه.

مثالاً ساطعاً ثالثاً للبطولة التي عندما يبدأ تسجيلها المراقب للانتصارات الرياضية الروسية فقد لا تنتهي، إلاّ ان فرادة بعض البطولات الخارقة، تتوجب الوقوف قليلاً عند أبطالها. وأعني بذلك روح البطولة التي دخلت بأحرف من نور في تاريخ روح بطولة السباحة الروسية. وأخص بالذكر شافارش كاربتيان. حيث حصد 11 جائزة وبطولية عالمية وقلد بطلاً لأوروبا لثلاث عشرة مرة. والحادثة التي أدخلته التاريخ من بابه العريض كانت في عام 1976 حيث شهد شافارش وأخويه حادثة سقوط تراموي في بحيرة يرفان. فلقد استطاع بطاقة بطولية منقطعة النظير أن ينقذ 20 راكباً من أصل 92. حيث أقدم شافارش نفسه على الغوص في المياه العكرة للبحيرة وعلى عمق عشرة أمتار ولمدة عشرين مرة وتمكن بقدرة خارقة من أن ينقذ فيها هذه الأرواح العشرين، فلقد كان يسلم كل ناج منها على الشاطئ إلى كل من أخيه الأول والثاني المدرب. وتبيّن من بعد تقرير الأطباء بأن الجهة التي أنقذت هؤلاء ليست فرق الإغاثة بل شخص وحيد هو البطل الأسطوري شافارش. فهذه المأثرة التي حدثت في ظل ظروف شديدة الصعوبة، لم تكن بدون نتائج سلبية، فلقد أصيب السباح بنزلة برد قوية كادت تفتك برئتيه وتنهي حياته. وهذه التي دفعته لأن ينهي حياته الرياضية، إلاّ أن هذه الحادثة لم تكسرعنفوانه ولا قوة الانتماء إلى وطنه الذي كان يسمى آنذاك بالاتحاد السوفياتي. وفي واحد من التصاريح التي نطق فيها هي إقراره بخطأ ارتكبه دون أن يدري بذلك وهو أثناء غطسه السريع طوال العشرين مرة وإنقاذه لعشرين نفس بشرية، ونتيجة لغياب الرؤية العينية الصافية ولتراجيديا الحدث، فلقد اقتلع مرة،وبقوة تفوق الطاقة البشرية، مقعداً من التراموي كان ملتصقاً بطريقة ما بأحد الركاب، وطلع به دون الراكب دون أن يدري إلى الشاطئ. ما قاله بالحرف الواحد “هذه الحادثة كانت ترافقني دائما كالشبح في منامي ولحظات يقظتي.[4]

هذه الأمثلة الثلاث التي توقفنا عندها ليست إلا نقطة في بحر الملاحم البشرية الرياضية والإنسانية التي قام ويقوم بها الروس في اللحظات الأكثر دراماتيكية في تاريخهم المليء بالمآسي والحروب وأخطاء الإنسان والتكنولوجيا وتحديات الطبيعة والخصوم. وفي كل هذه المآثر التي تعكس أقوى المزايا الإنسانية لم يكن مصدرها فقط القوة العضلية للرياضيين، بل أيضاً المخزون الأخلاقي عندهم والرفيع جداً.

فالروسي صبور إلى درجة لا يتحملها الإنسان، وحياته في تاريخه القديم والوسيط والحديث والمعاصر نادراً ما منحته الراحة والبحبوحة. إلا أنه من أتون المصاعب اجترح الانتصارات والابتكارات والمآثر في عالم الرياضة وغيرها من العوالم الأخرى. غير ان قوة الفيزيولوجية والمواطنية الروسية لا تعبر عن نفسها بشكل ملحمي إلا في زمن الشدائد الكبرى وتحديداً في زمن الحروب التي تحاول زرع الخراب والموت في الإنسان والحيوان والنبات وكل معالم البناء في الريف والمدن الروسية. وأبرز الأمثلة الساطعة على ذلك، هي البطولات الخارقة التي قام بها الرياضيون الروس اثناء الحرب العالمية الثانية، أو ما يطلق عليها الروس تسمية الحرب الوطنية العظمى، وحول هذه المحطة شكلت واحدة من أبرز منعطفات التاريخ الروسي دموية ومصيرية، سيكون الكلام التالي. (يتبع)

 

د. سهيل فرح

 

[1] – فافاسكولتسيف ق. أ. “الثقافة البدنية والرياضية”، موسكو، 1976، ص 247.

[2] – يروشون أ. بايتن – كولومنكيف، لكل الرياضيين

www.championat.vu

[3] – راجع بهذا الصدد دوسبيخوف أ. فاليري خارلاموف الذي صنع مجده في كندا، جريدة الكومرسانت، عدد 105، تاريخ 10-6-2005، ص 23.

[4] – ليا سماريكينا Fair Play أو خمس مآثر رجولية في تاريخ الرياضة.

www.sportsredaru/article/2013/Fevral

أمام تحديات الخصم والطبيعة (1) — د. سهيل فرح

اترك تعليقا