و الأن اليكم الحديث الذي ترجمه لموقعنا زميلنا في أسرة التحرير الدكتور صادق النويني.
 بروفيسور ألكسي فاسيلييف: هل لك أن تقدم لنا صورة موجزة عن المحفزات التي جعلتك تختار مهنة الإستشراق منارة علمية لكل حياتك؟
كان إختياري لتخصص الإستشرق – الإستعراب هو بسبب المزاج العام السائد في المجتمع في خمسينيات القرن الماضي وهذا كان وقت التغيير الثوري في الشرق الأوسط ، وكان صوت الزعيم المصري جمال عبد الناصر بالطبع مؤثرا جدا ، ونحن كنا ما زلنا طلابا في الثانوية ، أهتممنا كثيرا بالنضال السياسي وحلمنا بالمشاركة في هذا النضال وكذلك بالعمل في الدول العربية، هذه البلدان الواسعة. فعددها يقارب العشرين دولة ، لذلك كانت خيارات العمل فيها كثيرة. هذا هو السبب الأول لإختياري تخصص الاستشراق – كمستعرب.
والشيء الثاني الذي دفعني إلى اختيار التخصص وتحديدا دراسة تاريخ المملكة العربية السعودية هو  تواجدي في مصر ودراستي في جامعة القاهرة في 1960-1961، عندما رأيت عمليا فجوة كبيرة بين الوضع الاجتماعي والسياسي والنفسي في واقع المجتمع العربي، والمجتمع المصري، ونهج الدعاية الخشبية المقرفة آنذاك التي كانت تدخل إلى عقولنا ولكل وسائل الإعلام والمناهج الدراسية المقررة لنا.
ذاك كان المفترق الزمني في بداية مسيرتي العلمية إذ قررت إختيار موضوع أطروحتي ” الوهابية والدولة السعودية الأولى في شبه الجزيرة العربية “. ولعل هذا كان هو المحفز والسبب الأول والأخير.
 لا ماركس ولا انجلز، ولا لينين، ولا أي قرار من المكتب السياسي للحزب الشيوعي لم يحددوا عناصر الموضوع ولم يعطوني اية اوامر ، اعتقدت أنني حر تماما. لهذا كنت أظن أن بإمكاني تقييم تلك الظاهرة وتقديمها بتحليل موضوعي. والموضوع هذا لم يتطرق إليه احد من قبلي ، لا في روسيا ولا في العالم كله وهذا أعطاني فرصة لتعميق معارفي في بيئة أصبح لاحقا العديد من أحكام وأفكار محمد بن عبد الوهاب شعارات لحركات متطرفة فيها شملت جميع أنحاء العالم الإسلامي. وهذا الموضوع كان مطلوبا جدا وفي درجة عالية من الأهمية .
ما هي برأيكم أبرز نقاط التمايز والتشابه بين نهج الإستشراق الروسي- السوفييتي ومثيله الإستشراق الغربي؟
 هناك فرق جوهري بين الدراسات الروسية والسوفيتية الشرقية وما يسمى بالنهج- الإستشراف ، أو التوجه والتوقعات في مدرسة الأستشراق الغربي. وهنا أود أن أشير إلى أن مفهوم “التوجه – التوقعات ” نفسه الذي أستعرضه بنجاح العالم المعروف من أصل فلسطيني، إدوارد سعيد، الذي عادل مفاهيم “التوجه – التوقعات ” بالعنصرية والإيديولوجية الإمبريالية. ربما كان مجحفا بالتقدير، ولكن، على أية حال، عدم احترام ثقافة وتاريخ ونفسية العرب وجميع المسلمين كان يخدم أيديولوجية السياسة الاستعمارية .
في هذا المحنى، اختلفت بشكل حاد تقاليد الدراسات الشرقية الروسية عن الغربية. ربما كان يرجع ذلك وبشكل رئيسي إلى التقاليد الروسية المتأصلة في الوعي الحضاري لشعوبنا بإتجاه احترام “الآخرين”… وهنا أخص بالذكر إحترام المسلمين، وممثلي الشعوب التركية، والمغول وغيرهم. وهنا لا يسعني إلا أن أذكر أن من سمات التشريع الروسي منح حقوق واسعة لجميع المسلمين، حتى في الإمبراطورية الروسية نفسها.
 على سبيل المثال انا شخصيا قمت بتحرير مجموعة من التشريعات الروسية بشأن المسلمين. إن مجموعة من التشريعات كانت مختلفة بشكل كبير عما كان عليه التشريع الاستعماري للامبراطوريات الفرنسية والبريطانية.
بودي في هذا السياق أن أضيف أيضا أن عددا من المستشرقين الروس لسنوات عديدة عاشوا جنبا إلى جنب مع أولئك الذين كتبوا عنهم ، وهذا ساعدهم على ان يدرسوا التاريخ بعمق ، بما في ذلك القديم والحاضر، ففهموا تفكير وسلوك الشعوب الأخرى. وكل هذا شكل أساسا معنويا لعملية التناضح الروسي ، والقدرة على إيجاد القواسم المشتركة في عملية التواصل الإنساني. وهنا علينا إلا نقلل من عملية النضال معا مع ممثلي القوميات الأخرى- غير الروسية – على قدم وساق سواء كان هذا في الإمبراطورية الروسية أو في الاتحاد السوفياتي .
 مسار التاريخ لا يمكن تغييره. وهنا أريد أن أذكر حقيقة أنه عندما كان هناك تصويت عن عملية الحفاظ على الاتحاد السوفياتي أو حله، فأكثر من 60٪ من سكان جميع جمهوريات آسيا الوسطى صوتوا لصالح الحفاظ على الاتحاد السوفيتي. التاريخ هنا أملى ظروفه بطرق اخرى ، ولكن هذا التصويت اثبت قوة الارتباط بين نتيجة التصويت وتقاليد الاستشراق الروسية والسوفيتية اي ان التقاليد الروسية والسوفيتية أثرت كثيرا في رغبة شعوب آسيا الوسطى في الحفاظ على الاتحاد السوفياتي. وللحديث مع موقعكم صلة لا بل صلات وجولات…

أعد المقدمة وأجرى المقابلة رئيس التحرير سهيل فرح

ترجمة: صادق النويني