الرئيسية » سياسة واقتصاد » أزمة الدول الوطنية في الشرق الأوسط (الجزء الأول)

أزمة الدول الوطنية في الشرق الأوسط (الجزء الأول)

خلاصــة

 

تدرس المقالة عملية تطور نظام الدول الوطنية (الدول القومية أو الدول-الأمم) في الشرق الأوسط خلال المئة العام الماضية على انهيار الدولة العثمانية وحتى وقتنا الحاضر. ويتم تحليل محاولات العرب الرامية لإنشاء كيانهم الخاص محل الولايات السابقة، ولا سيما في بلاد الشام، سواء في شكل دولة عربية واحدة أو في صيغة أقطار منفصلة. وقد ارسى رسم الحدود بشكل اعتباطي ونظام الانتداب الاستبدادي الأساس للنزاعات الناشبة حاليا في المنطقة. ومع خلق “وطن قومي لليهود” في فلسطين تم إنشاء عقدة نزاع جديدة، وسار طريق البناء القومي للفلسطينيين واليهود على طريق استبعاد ونفي أحدهما للآخر. وخلقَ عدم حل المشكلة الكردية  في حينه أيضا أرضية لاندلاع المواجهة العرقية لاحقا. وارتسم في عملية بناء الدولة خياران: إما أوطان مجزأة وإما التكامل والوحدة. وجرى النظر إلى مختلف مشاريع إحياء الخلافة الإسلامية، ومن ضمنها ذاك الذي أقامته الجماعات الإرهابية المتطرفة، في اطار نزعة التكامل المذكورة. وتقيم المقالة بروح انتقادية تصنيف عدد من الخبراء الغربيين، وجزء من النسق الأعلى للمؤسسة العسكرية” منظمة القاعدة” على أنها “حركة انتفاضة إسلامية فوق قومية، أو عالمية”. لقد تعرضت الدولة القومية على مدى مرحلة طويلة للعديد من التهديدات والتحديات، وتم تجميعها في المقالة في عشرة نماذج أو أصناف. فكان من بين هذه التهديدات والتحديات على وجه الخصوص: الحروب بين الدول والحروب الأهلية؛ التمردات والثورات والانقلابات …وهلم جرا. وتبرهن المقالة على موضوعة مفادها أن احد الخصائص الأساسية لنظام المؤسسات في بلدان الشرق الأوسط هو ثنائية، أو بعبارة أدق، تعددية المؤسسات الأمنية. وبحكم تأثير قوى التباعد والانفراط، تمر منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي بمرحلة صعبة من التجزئة المتعددة المراحل لا يمكن التكهن بنتائجها، ولا سيما من حيث البيئة الأمنية الإقليمية والعالمية.     

 

يمر الشرق الأوسط الآن ربما باكثر المراحل تعقيدا في تاريخه. فالنزاعات المحلية والإقليمية تتزايد اكثر فاكثر، وتتورط بلدان جديدة في النزاعات، وتحل الفوضى محل النظام في العديد من مجالات الحياة. وقد شملت عملية التفكك والانهيار عددا من البلدان، وتفاقمت الخلافات بين الطوائف الدينية (الشيعية – السنية وفي داخل الطائفة السنية) فضلا عن الخلافات العرقية، وانتقل بعض الدول إلى فئة الدول” الفاشلة”، حيث فقدت أو تفقد السيادة على أراضيها. وضعفت القابلية للإدارة، وانخفضت فعالية مؤسسات الدولة. ويتزايد نشر القواعد العسكرية والقوات المسلحة الأجنبية في بلدان المنطقة. وغالبا ما تصبح الحدود شفافة ومخترَقة. فتجتازها من دون عوائق فصائل الإرهابيين والمرتزقة والمليشيات وغيرها من التشكيلات غير النظامية، وكذلك غالبا ما تعبرها الجيوش الأجنبية، دعك عن دوائر الاستخبارات. وبالرغم من تشتت صفوف الوحش الإرهابي : داعش، من السابق لأوانه الكلام عن هزيمة هذا التنظيم المتطرف، وتكتسب عملية تجزؤ الدول/ الوطنية طابع تعدد المستويات، ويصاحبها تحاتّ عميق لنظام الأمن باسره.

يمكن فهم جذور الأزمة الحالية فقط بالتوجه إلى الماضي، ودراسة تاريخ تكون الدول الحديثة في الشرق الأوسط، على مدى مائة عام.

1

أدت هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، منذ مائة عام تقريبا، إلى حدوث تغير جوهري في الخريطة السياسية للشرق الأوسط. وكفت عن الوجود الدولة الإمبراطورية الكبرى، التي كان من غير الممكن إن تُعزى إلى نمط الدولة القومية، نظرا لان القومية العثمانية لم تتشكل أصلاً. وإن سبب انهيار الدولة العثمانية لا يكمن إبدا فقط في هزيمة “الباب العالي” في الحرب، ولكن أيضا في نمو الوعي القومي بحدة لدى الشعوب الكثيرة المنضوية تحت رايتها، والتي استولى على معظمها الترك العثمانيون في القرن السادس عشر. وانتشرت بينها في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العشرين، على نطاق واسع، أفكار التحرر الوطني. وإن نصر روسيا والحلفاء في الحرب استجاب لمتطلبات هذه الشعوب في إنشاء دولها الوطنية الخاصة.

إن انهيار الإمبراطوريات والكيانات الاتحادية المتعددة القوميات، فضلا عن إنهاء الاستعمار، غالبا ما أصبحا مصدرا لظهور دول مستقلة في العالم. فقد انهارت في القرن العشرين  وحده إمبراطورية النمسا- المجر والدولة العثمانية والإمبراطورية البريطانية ( فضلا عن الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية) والاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا. وفي بعض الحالات واصلت نواة الدولة المشتركة أو الدولة الأم بعد أن تغيرت شكلاً، وجودها، بينما في حالات أخرى يجري تفكك تام للكيان الموحد، فتنشأ من أجزائه دول وطنية. ويتعين على البعض الثالث منها قطع طريق طويل، قبل أن يتم تكونه، نظرا لأن عملية البناء الوطني لم تكتمل في هذا البعض إثر الحصول على الاستقلال. والوضع الأخير حصل بعد الحرب العالمية الأولى في الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية.

إن الدولة الإمبراطورية السابقة : تركيا، التي خسرت الحرب وواجهت خطر فقدان جزء كبير آخر من أراضيها، أجبِرت بشكل غير مألوف على الدخول في مرحلة كفاح تحرري، دعمه الاتحاد السوفياتي آنذاك من دون قيد أو شرط. فقد بدأ كمال اتاتورك الذي احرز النجاح في هذه المواجهة، ببناء الدولة القومية التي تقوم على أساس الهوية التركية. وحاول أن ” يدرج” فيها الأقلية الكردية، التي فقدت الأمل، ليس بالحصول على الاستقلال وحسب، ولكن حتى على حكم ذاتي واسع. ولم يكن هناك مكان في تركيا الجديدة لأي حكم ذاتي لأكبر تجمع كردي في الشرق الأوسط: واصبحوا يسبغون في تركيا على أبنائه هوية “الأتراك الجبليين”. ولم يحصل الأرمن كذلك على حقهم في إقامة دولتهم، أو في التمتع بحكم ذاتي في تركيا، ولم يبق منهم احد تقريبا هناك بعد تعرضهم للإبادة في عام 1915.

وطمحت البلدان العربية هي الأخرى إلى الحصول على الاستقلال التام. فمنذ الحرب العالمية الأولى وضع شريف مكة حسين خطة لإقامة الدولة العربية الكبرى، التي من المفترض ان يترأسها هو بصفة ملك أو خليفة هو رأس المسلمين الديني. وكان من المفترض ايضا إن ينشأ هذا الكيان على أساس الهوية العربية الشامية التي كانت لها ممهدات ملموسة بالدرجة الأولى لتقارب شعوب بلاد الشام العربية  حضاريا وثقافياً.

ولم يُقدر لهذا المشروع الطموح أن يتحقق، كذلك لم يتحقق مشروع آخر أيضا حملته مختلف مجموعات الوطنيين المحليين، ألا وهو إقامة دول وطنية مستقلة محل ولايات الدولة العثمانية. إلى جانب ذلك ارتسم  خيار بين أمرين: إما التجزئة الوطنية – الإقليمية وإما التكامل – وبقيت هذه الخيارات مع العرب حتى بعد الحصول على الاستقلال، ولفترة طويلة.

وعلى الرغم من إن المفوض السامي البريطاني في مصر ارثر مكماهون  وعد الشريف حسين في مراسلاته معه في 1915-1916 بإقامة الدولة العربية الكبرى في الشام وجزء من شبه الجزيرة العربية مقابل المشاركة في الحرب ضد تركيا، إلا إن لندن وباريس كانتا تجريان في نفس الوقت مباحثات ثنائية سرية بشأن تقسيم الجزء الأسيوي الذي بدأ “الباب العالي” يتنازل عنه في الحرب. ووفقا للاتفاق توضع الولايات العربية العائدة للدولة العثمانية بعد هزيمة الأخيرة  تحت انتداب الدولتين الأوروبيتين. ودخل ممثلاها البريطاني السير مارك سايكس الذي لم يكن حينها مشهورا والدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج – بيكو التاريخ كصاحبي الخيار الأول الذي وضع وعلى عجل مسألة التقسيم الاستعماري للجزء الآسيوي من الدولة العثمانية.

حينما صدرت في 1915 تعليمات لمصممي احتلال ولايات “الباب العالي” العربية بتحديد مجالات نفوذ الدولتين، مدا في نوفمبر من نفس العام ومباشرة في الرمال خط بريد مباشر بين مدينة عكا الفلسطينية القريبة من حيفا على البحر الأبيض المتوسط وكركوك في شمال العراق، اطلقت عليه تسمية  (E-K)  (بالحرف الأخير من تسمية عكا بالإنجليزية والفرنسيةAcre  والحرف الأول من أسم مدينة كركوك)، التي تقع إلى جنوب منطقة نفوذ بريطانيا والى الشمال الفرنسية. وبالتالي فان لندن لم تخطط  للإيفاء  بوعودها للشريف حسين. وعلى الرغم من أن المشروع الذي وضعه مدبجا النظام القادم للشرق العربي في مرحلة ما بعد الحرب اكتسب طابعا مرحليا، فضلا عن الصراع الذي استمر عدة سنوات بين لندن وباريس على الأراضي التي وضعت تحت الانتداب، فانه دخل التاريخ  باسم “اتفاقية سايكس – بيكو السرية” واصبح رمز التبعية الاستعمارية للعرب. وقد جرى إقرار الاتفاقية رسميا في 16 مايو/ ايار عام 2014.[ناؤومكين]

الواقع أن الاتفاقية لم تضع الحدود بين أراضي/ الدول التي تكونت في المشرق لتكون تحت الانتداب. فقد تطلب القيام بذلك شرعية تقوم على القانون الدولي، ما عتمت أن وفرتها في وقت متأخر اتفاقية مؤتمر باريس للسلام (18 يناير/كانون الثاني 1991- 21 يناير/ كانون الأول 1920)، ومعاهدة سيفر بتاريخ 10 أغسطس 1920، ومؤتمر سان – سيمون (19-26 أبريل) ولوزان (تم انعقاد الأخير بانقطاعات من 20 نوفمبر/ تشرين الثاني حتى 24 يوليو/تموز 1923). ووفق المعاهدة الأخيرة التي صادقت عليها عصبة الأمم اصبح العراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني وسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. واختتمت عملية إنشاء خريطة جديدة لهذا الجزء من الشرق الأوسط في عام 1925 بالحاق ولاية الموصل العثمانية سابقا بالعراق الواقع تحت الانتداب البريطاني. وبفضل نجاح نضال التحرر الوطني التركي بقيادة مصطفى كمال اتاتورك، تمكنت تركيا من الاحتفاظ بجزء كبير من أراضيها مقارنة بما خططه الحلفاء الغربيون لتركها لها.

 فهل خطر على بال من وضع الحدود بين مختلف أجزاء الشام أن يتحدث المحللون بعد مضي مائة عام على “نهاية سايكس بيكو”؟ يتحدث الخبير الأمريكي بول سالم عن انهيار تلك الحدود بين الدول التي أُنشئت بموجب اتفاقية «سايكس- بيكو” الاستعمارية في أيامنا هذه في المشرق العربي وعن أن “تفكك وظيفي لسوريا والعراق”  .[Salem 2014]

إن ما يسمى بوعد بلفور: أي الرسالة التي بعث بها وزير الخارجية البريطانية ارثور جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917 إلى اللورد روتشيلد لنقلها إلى الفيدرالية الصهيونية والتي عبر فيها عن مصادقة لندن على مشروع إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، أصبح جزءا لا يتجزأ من خطة السيطرة على الشرق الأوسط. وقد احتفلت إسرائيل في 2017 بمرور 100 عام على هذه الوثيقة كخطوة هامة جدا في السبيل إلى إقامة الدولة العبرية. وفي الوقت نفسه ثمة جوانب أخرى كانت لها تتعلق بالعرب. وكما أشارت الكاتبة البريطانية ليندا هورد” لا يمكن اعتبار وعد بلفور واحداً من أفضل إنجازات الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية. فإنه لم يبارك فقط تسليم أراض لم تكن لتعود لبريطانيا، حتى ( يحق لها) إعطاؤها، ولكنه خان الوعود التي منحتها للزعماء العرب، الذين حاربوا جنبا إلى جنب مع القوات البريطانية، في سبيل طرد العثمانيين من المنطقة”.

 انتهى نظام الانتداب في الشرق الأوسط قبل أن تمر على تشكيله بضعة عقود. وأشار يفجيني بريماكوف إلى هذا الأمر بالقول: “لقد انهار النظام الاستعماري في النصف الثاني من القرن العشرين وظهرت دول جديدة على الخريطة. وعاشت لفترة غير طويلة بعد انهيار النظام الاستعماري، تلك الأنظمة شبه المستقلة والسيدة التي كانت سابقا  في دول الشرق الأوسط، على سبيل المثال مصر. وفي الوقت نفسه كان واضحا جدا في العديد من البلدان التي تحررت من التبعية الاستعمارية عدم ثبات القادة الذين جاءوا إلى السلطة – واستمروا يستبدل بعضهم بعضاً (بريماكوف 2006.7).

تعرضت الدول القومية في الشرق الأسط أثناء فترة المئة عام الماضية للعديد من الأخطار والتحديات والصمود على المحن، وعلى الرغم من بعض الهزائم تمكنت على العموم من الصمود أمامها، مبرهنة على ثبات النظام القائم. في الوقت نفسه كان تطورها في بعض الحالات ارتقائيا وتدريجيا مع انعطافات ثورية دراماتيكية، وفي حالات ثالثة كان ذلك التطور ضئيلا إلى درجة يبدو معها وكأنه لم يكن على الإطلاق. ولم تتغير الحدود بين الدول، وتبين أن جميع افتراضات واضعي التنبؤات الكثيرة بصدد إمكانية تغيرها وإعادة رسمها، مجرد كلام فارغ.

لقد لعبت إملاءات اللاعبين الخارجيين السياسية دورا كبيرا عند إعادة التوزيع الإقليمي للكيانات التي تشكلت من أشلاء الدولة العثمانية، بما في ذلك تفضيل قادة على قادة “وفق الذوق”. وعلى وجه الخصوص نوقشت في بداية القرن العشرين، عند تحديد مصير مستقبل الولايات العثمانية، على نحو عاصف، مسألة تبعية الموصل التي طالبت كل من تركيا والعِراق بها. وبذل الاتحاد السوفياتي جهوده لأن تذهب إلى أنقرة، نظرا لان العِراق اصبح آنذاك تحت الانتداب البريطاني، بينما كان ينظر إلى تركيا على أنها واحدة من الدول المستقلة القليلة التي تواجه الغرب في المنطقة. وقد لعب في ذلك دورا هاما الرأي الشخصي لمفوض الشئون الخارجية  جيورجي تشيتشيرين، الذي اتخذ موقفا ثابتا مناهضا للإنجليز، ودافع عن تطوير علاقات موسكو مع  ألمانيا وتركيا. ومع ذلك انتهي في عام 1925 رسم خريطة جديدة لهذا الجزء من الشرق الأوسط بتسليم الموصل للعراق الذي كان تحت الانتداب البريطاني.

                                                        2

اجتاز ” الشرق الأوسط” الجديد الذي تشكل عقب الحرب العالمية الأولي عدة مراحل  تحول جذري متعدد المراحل، التي كان أهمها حصول الدول العربية على الاستقلال التام. وينبغي النظر إلى هذا الخط على انه المفتاح لعملية تشكل الدول / الأمم.  ولتوصيف الأخطار التي واجهتها العملية التطورية، يمكن اقتراح ترتيب لها ولكن بالكاد سيكون مثاليا نظرا لان الظواهر المتقاطعة  فيها  حتما ستتداخل بعضها مع البعض الآخر، وفي الوقت نفسه تندرج تحت فئات مختلفة.

ويُعزى إلى التحديات التي تواجهها الدول – الوطنية: أولا: الحروب التي هزت الشرق الأوسط – سواء بين الدول أو الداخلية، أو الأهلية (1). وغالبا ما كانت الحروب بين الدول دموية للغاية. وبهذا تميزت  الحرب العراقية الإيرانية 1988-1988 (تسمى كذلك حرب الخليج الأولى)، التي لقى حتفه فيها اكثر من مليون شخص وأقل بقليل من مليون جريح (لا يتوفر إحصاء دقيق). وفاق عدد ضحاياها عدد ضحايا الحرب بين إسرائيل والجيران العرب ( 1948ـ 1949 و1956 و1967 و1973 و1982 و2006). ونشبت في منطقة الخليج أيضا حربان: الثانية : في 1991- 1991 بين قوات التحالف المتعددة وعراق صدام حسين، بعد غزوه للكويت، والثالثة: في 2003 حينما غزت الولايات المتحدة وبريطانيا العراق بذريعة مختلقة. وإن 500 ألف شخص سقطوا، وفق بعض المعطيات، ضحايا العمليات العسكرية على مدى العشر سنوات التي مضت منذ ذلك الحين. وأدت حرب الجيش وقوى الأمن والتشكيلات العسكرية غير النظامية، وحرب عدد من بلدان المنطقة ضد داعش، و”جبهة النصرة”، أيضا إلى سقوط عدد كبير من الأرواح. إن جميع الحروب التي نشبت في المنطقة استهدفت بهذه الطريقة أو تلك تغيير الحدود القائمة. إلى جانب ذلك كان لها عُمُق وأسباب مباشرة مختلفة. فاذا نظرنا للحروب بين إسرائيل وجيرانها، نرى أنها كانت أحداثا منفردة وحسب في تطور سلسلة نزاعات شكلت أطول نزاع عدائي. وغالبا ما تلد حرب حربا أخرى. وهاكم مثال على سبب مباشر. يؤكد الباحث الأمريكي بيتي اندرسون أن دافع غزو العراق للكويت كان الدَيٌن الضخم الذي راكمه صدام حسين على مدى فترة الحرب مع إيران:” وقد قدمت المملكة العربية السعودية والكويت وغيرها من بلدان الخليج العربية، قروضا مالية كبيرة للعراق، أن اجل أن يقوم العراق بخوض الحرب، ولكن أيا منهم لم يرد أن يسقط هذه اليون عنه”[Anderson 2016: 431].

اذا ما تحدثنا عن الحدود بين الدول، فإنها في عدد من دول الشرق الأوسط تصبح شفافة وقابلة للاختراق، وليس من الخطورة انتهاكها. ومن المناسب في هذا السياق إيراد راي الباحثة الروسية ايرينا زفياجيلسكايا المثير للاهتمام، وهي التي تكتب وهي تنظر في المشكلة من خلال مفهوم ” الدولة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 التسمية الاخيرة غير مناسبة للعمليات القتالية واسعة النطاق التي لا تشارك فيها فقط التشكيلات غير النظامية ( وحتى الهيئات الدينية) ولكن لجيش  الذي يستخدم في المعارك بما في ذلك القوة الجوية

الضعيفة السيادة””: ” ان شفافية حدود الدول الضعيفة في الشرق الأوسط تبقى عنصرا هاما، وتعززها السيادة الناقصة أو غير الكاملة للكيانات”” [زفياجيلسكايا 2017:106].

وفي ظل الوضع الذي تشكل اليوم في المجتمع الدولي يمكن أن  تبدو غير مثمرة أيا إلى حد ما المقاربة التي يمكن ان تستند إلى مفهوم” السيادة المطلقة والسيادة المحدودة”. فهو يعكس الواقع الجديد، حيث يتمثل احدها في تفتت المؤسسات ومبادئ القانون الدولي التي قامت على مدى فترة طويلة. لنأخذ على سبيل المثال، مبدأ عدم تدخل المنظمة الدولية ( وهذا يتعلق بكافة أعضاء منظمة الأمم المتحدة) “في الشؤون التي تكون من صميم اختصاص دولة ما”. ويجري بشكل دائم انتهاك هذا العِرف، ويفضل بعض المؤلفين اليوم تأويل عدم استخدام القوة ” كامتناع عن استعمال القوة”. ولا يمكن تعداد الأمثلة على انتهاك السيادة في الشرق الأوسط.

كما تعزى ثانيا إلى التحديات الإقليمية التمردات والانقلابات التي استعملت العنف المسلح بما في ذلك التي تكتسب طابعا فوق وطني. وتتميز في لائحة مثل هذه الهزات تلك التي ترتبط بصعود حركة التحرر الوطني. وخير مثل على ذلك الحرب الثورية من أجل تحرير الجزائر أعوام 1954 – 1962، التي واجهت خلالها تشكيلات جبهة التحرر الوطني الجيش الفرنسي. وقادت الجبهة الوطنية لجنوب اليمن في 1963- 1967 نضالا مسلحا من أجل التحرر من الاستعمار الإنجليزي. وانتهت المواجهة في كلتا الحالتين بإقامة دول مستقلة. وبالطبع يمكن اعتبار هذا الصنف من الأحداث لا تحديا للدول الوطنية بل على العكس طريقا نحو إقامتها محل الكيانات التابعة غير المستقلة. إلى جانب ذلك لا يدور الكلام في هذه الحالات فقط حول الاستمرار في عملية إنشاء منظومة الدول المستقلة، ولكن حول التغيير الجذري للنظام القائم الذي تسبب في الكثير من الصراعات. على سبيل المثال بعد عامين من منح بريطانيا الاستقلال لليمن الجنوبي في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967 نشأت في الواقع دولة جديدة في البلد نتيجة لانتصار الجناح اليساري في الجبهة الوطنية في الصراع الحاد بين الكتل السياسية. وفي الصحراء الغربية تخوض جبهة البولساريو حتى اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة عقب انتهاء عملية تخلص شمال أفريقيا من استعمار الدول الأوربية لها، النضال السياسي بهدف الحصول على الاستقلال، فيما يعتبر المغرب هذه المنطقة جزءا لا يتجزأ من أراضيه. وكانت معاهدة سيفر قد منحت أكراد تركيا الأمل في الحصول على منطقة ذات حكم ذاتي، بيد أن معاهدة لوزان دفنت كل الآمال. وبعثت فيهم مشاعر الاستياء الحاد السيطرة التركية التي أصبحت اكثر قسوة من ذي قبل. وكما كتب أندرسون فإن الأكراد عانوا من صعوبات جمة في تركيا ” بسبب مفهوم الهوية الجديد الذي اعلنه كمال أتاتورك [Anderson 2016: 212]. وقد قام أكراد تركيا في العشرينات من القرن الماضي مرارا بانتفاضات بقيادة الشيخ سعيد بيران الصوفي (2) بدعم من شيوخ عدد من قبائل جنوب – شرق أنطاليا ولجنة ” آزادي” (الحرية)، التي جمعت ممثلي مثقفي المدن والدوائر المهنية. وأرسلت الحكومة التركية في فبراير/ شباط عام 1925 وحدة عسكرية من الجيش قوامها 50 ألف نفر، وأسفرت المعارك عن هزيمة المنتفضين وقتل قادتهم.

اتجه الاتحاد السوفياتي حينذاك نحو دعم وحدة تركيا، بالرغم من انه تعاطف مع الأكراد. ولم تحظ دعوة القيادات الكردية بإحياء الخلافة  بإعجاب موسكو باي شكل من الأشكال. فقد رصدت وراء تلك الدعوة وجود مكيدة بريطانية. وفي عام 1925 توجهت الإدارة الدينية للمسلمين “نظارة دينية”  (وزارة الأديان) في طشقند بنداء إلى جميع المسلمين في ضوء هذه الانتفاضة. وجاء في التقرير الذي نشرته وسائل الإعلام السوفياتية إن الدعوة كشفت “جوهر هذه الانتفاضة المعادي للثورة”. وأشارت إلى أن ” الشيخ سعيد هو أداة بيد الإمبريالية البريطانية، واستعمل في نضاله ضد الحكومة التركية كذلك الشعارات الدينية”. وظهرت في الدعوة بوضوح النبرة ضد إحياء الخلافة (وخاصة العثمانية) من ناحية إنها “ألعوبة في يد القوى الإمبريالية”  ومن ناحية أخرى – تعرقل طريق التطور. وكما جاء في التقرير: إن الشيخ سعيد وبالتعاون مع الأتراك المعادين للثورة “طالب بإحياء الخلافة، التي شجبها المسلمون الساعون إلى نهضة شعوب الشرق الثقافية والاقتصادية”. إن حركة الاحتجاجات الكردية المعادية لتركيا برئاسة رؤساء العشائر أجبرت موسكو حتى على التراجع لصالح الكماليين، عن النهج المعتاد بدعم الشعوب الإسلامية. ونُظر ضمن هذا السياق إلى مساعي الشيخ سعيد لتشكيل حكومة كردية مستقلة :” إن نجاح سعيد المدعوم من الإنجليز، سيؤدي إلى أن تكون إدارة كردستان بيد الإنجليز”. وواصلت :” تدعو “وزارة الأديان” جميع رجال الدين المسلمين الواعين والشرفاء إلى صب اللعنة القوى الإمبريالية  الأجنبية وخدمها”(3).

في عام 1921 قام الأكراد العلويون بانتفاضة في ديرسيم(4) ولكن تم سحقها بسرعة. وفي غضون ذلك بدأت في 1937 انتفاضة كردية اكثر قوة ولم ينجح الجيش التركي في القضاء عليها إلا في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1938 حينما تم قتل عشرات الآلاف من الأكراد العلويين  والزازا (5) . وإن تواصل عمليات حزب العمال الكردستاني المسلحة ضد السلطات التركية حتى الوقت الحالي لا يزال يهز تركيا.

إن المحاولات الانقلابية الناجحة والفاشلة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث كانت كثيرة جدا حتى أن إحصاءها يتطلب عدة صفحات.

لقد أدت أحداث الربيع العربي أو الصحوة العربية إلى تغيرات خطيرة في نظام دول الشرق الأوسط العربية وأحدثت تحولا عميقا في المجتمع العربي  غير الاصطفاف الجيو/ سياسي للمنطقة بأسرها. وقد كُتب الكثير من الأعمال عن هذه الأحداث، بما في ذلك الدراسات الروسية، التي يمكن  إحالة القارئ إليها [الصحوة العربية 2012].

كسحت احتجاجات” الربيع العربي” الشعبية بعض الأنظمة التي بدت مستقرة، وهزت أخرى.  وفي حزمة الأسباب يُشار إلى سيادة البيروقراطيين والأنظمة الاستبدادية الفاسدة وغياب الحريات الاجتماعية والحراك الاجتماعي (الأكثر إيلاما للجزء العصري من السكان) واتساع الفجوة في المداخيل بين نسق السلطة العليا التي تتمتع بضمانات اكبر وبقية السكان، والفساد  الذي اصبح عاملا منهجيا والفقر وضعف السياسة الاجتماعية. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك عدم كفاءة الإدارة والركود الاقتصادي وضعف قوى الإنتاج  وفي نفس الوقت الاعتماد على مصادر تراكم خارجية غير مستقرة ولكن متاحة نسبيا.

ووفقا للتعبير الموفق لعالم السياسة الإسرائيلي بروس مادي – وايزمان، تصدت المجتمعات العربية في 2010-2011  تصدت ” لدولها “القابعة فوق الدولة”.  ويضيف: ” في فجر الألفية الجديدة فشلت الدول العربية في القفز إلى عربة العولمة، وبدلا من ذلك تم الحفاظ على نظام الاوليغارشية  الاقتصادية والأوتوقراطية السياسية والسلالات الحاكمة بالوراثة. [Maddy-Weitzman 2016: 214-215].

إن غالبية الدول العربية لم تصبح خلال التحول الذي عاشته، اكثر قابلية للتحكم بها ولم تصبح الأنظمة الجديدة أكثر فعالية، والاستثناء الوحيد لحد الآن هو تونس. وفي كل مكان في المنطقة هناك تدخل مسلح اجنبي وقح، وتغيير قسري للأنظمة، وتسلط للدهماء المسلحة التي يتزايد نفوذ المتطرفين المتشددين فيها ، ما أدى إلى إجهاض الدوافع الإيجابية  للداعين للتجديد،  وساهم في التجزؤ وانتشار الفوضى.

           ان التحدي المميز الذي يجابه  الدول القومية هو ممارسة تصدير الثورة الذي تهدف من ورائها الدول الاقليمية التي تنفذ هذه الاستراتيجية بالاعتماد على دعم الأخوة في الإيمان والمشاركين في العقيدة التشجيع على تغيير النظام في هذا البلد المجاور أو ذاك بطريق الثورة. وتتهم الكثير من الدول العربية في هذا ايران، التي بالفعل أعطت في الفترة الاولي التي تلت الثورة الإسلامية في 1979 الحجة لمثل هذه الاتهامات.

فيتالي نعومكين

معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية. موسكو، روسيا

جامعة موسكو الحكومية. موسكو، روسيا

ترجمة عضو أسرة التحرير د. فالح الحمراني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      2   بيران – مدينة في تركيا  تقح على بعد 815 كم  الى شرق انقرة

3  صحيفة الازفيستيا . 1925 № 106(2439)12 مايو/ ايار

4 محافظة تونجيلي

5  شعب قريب من الاتراك ، يدين بالعلوية

اترك تعليقا