الرئيسية » سياسة واقتصاد » أزمة الدول الوطنية في الشرق الأوسط (الجزء الثالث)

أزمة الدول الوطنية في الشرق الأوسط (الجزء الثالث)

فيتالين نعومكين

3

هل يمكن للدول والامم في نهاية المطاف ان تضع امام اعينها التحديات والمخاطر والمحن؟ كل هذا سيعتمد لدرجة معينة على مدى تماسكها. يظهر مما سبق ذكره ان مقدار الزعزعة التي ظهرت سيقابله في الوقت نفسه استقرار. من الصعب أن نقول أي من الأنظمة والحكومات أفضل وقادر على مواجهة هذه التهديدات والمخاطر. لناخذ على سبيل المثال “الربيع العربي”.

يقول بعض الباحثين إن اعتبار الاسرة الحاكمة – الشرعية “الهاشمية” في الأردن من نسل النبي محمد كان السبب في تجنب العرش الملكي الاردني اندلاع السخط الشعبي حتى اوجه كما في أي مكان آخر في العالم العربي.

 ومع ذلك، دعونا نتذكر الثورة المسلحة في 14 يوليو-تموز 1958 في العراق ضد الملكية. المسلحون قتلوا بوحشية الملك الشاب فيصل الثاني – حفيد الشريف حسين (أول أمير على مكة، ثم ملك الحجاز)، وكذلك ابن عمه، ولي العرش عبد الاله ورئيس الوزراء، ونوري السعيد الذي يعتبر من المحاربين القدامى في الانتفاضة المناهضة للعثمانيين اثناء الحرب العالمية الأولى، ومثّل الحشد طويلاً بجثثهم، وسحب واحدا منهم في شوارع العاصمة وعلق الآخر من الشرفة وطعنه بالسكاكين.

في الوقت نفسه، وفقا لملاحظة يفغيني بريماكوف، “لم تهتز للمنتفضين شعرة ولم يعيروا اي اهتمام لاعتبار ان الملك وعبد الاله من احفاد الرسول محمد” (بريماكوف 2006:8).

نعم، قداسة الشريف حسين نفسه، والد أول ملوك العراق وشرق الأردن والدول التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى” لم تُعَر اي اهتمام – لم تترك اي انطباع” لدى مؤسس الدولة العربية الجديدة، القائد الشاب القادم من الصحراء (من نجد) عبد العزيز بن سعود الذي ضم اليها ايضا الحجاز في منتصف العشرينات من القرن الماضي.

استقرار أو عدم استقرار الدول القومية لا يعتمد على ما إذا كانت هذه دولا حديثة عصرية وديمقراطية تتمتع بنظام فصل السلطات أو دولة ذات عديد من الهياكل المرممة. هناك ظروف مواتية لزيادة نشاط الحركات الإسلامية هي بالإضافة إلى خيبة الامل في القيادات اليسارية والقومية، المستوى العالي للتدين في المنطقة. إلحاد الشيوعيين في مراحل معينة في الشرق الاوسط وفي بعض الدول، رغم تمتعهم بشعبية كبيرة في اوساط السكان، بالاضافة الى امميتهم، حرمهم من الفوز بثقة الناس الكبرى.

ومع ذلك، حصل مفهوم الالحاد الى حد ما في بلدان الشرق الاوسط، لفترة قصيرة وخصوصا في اعوام 1920، على شعبية وكان قدر ضئيل من هذه الشعبية يعود الفضل فيه اولا إلى انتصار ثورة أكتوبر في روسيا التي دعت لتحرير المستعمرات، وثانيا انتشار الى الأفكار الشيوعية التي انتشرت في مختلف أجزاء من العالم، بما في ذلك الشرق الاوسط بدعم من الاتحاد السوفياتي الذي ساعد هو ايضا على تاسيس وتشكيل المنظمات والأحزاب الشيوعية في العالم.

كان بعض مثقفي الشرق الأوسط في ذلك العصر بسبب عملهم الفكري يجبرون على الاختباء والتخفي لسنوات طويلة مثل سلمان رشدي ( من مواليد 1947) الكاتب الانجليزي ذي الاصول الهندية بسبب كتابه “آيات شيطانية” او الكاتب المصري نجيب محفوظ (1911 – 2006 ) والحائز على جائزة نوبل والذي نجا من محاولة اغتياله (1994) على يد أحد المتعصبين الإسلاميين.

في حينه افتتح إسماعيل مظهر (1891-1962) في مصر دار نشر اسمها “دار الاصول” وكانت تنشر كتب الدعاية للإلحاد. وفي دار النشر هذه تم نشر عمل تشارلز داروين الشهير “أصل الأنواع”[عبد الرحيم،2005:118 ] المترجم الى العربية ، والى الان ما زالت تثير مشاعر الغضب لدى الإسلاميين ايضا مؤلفات مثل كتاب برتراند راسل الشهير “لماذا لست مسيحيًا” وبعض الكتب الاخرى.كل هذا زاد من كراهية زعماء التأسلم ايضا.

الكاتب المصري المشهور واللامع خريج جامعة السوربون محمد حسنين هيكل كتب بحثا من ثلاثة مجلدات عن جاك جان روسو. وعملت بشكل نشيط جمعية تاسست في مصر وتركيا من قبل خريج جامعة موسكو اسماعيل ادهم (1911 – 1940 ) لنشر دعاية الالحاد من قبل اسماعيل ادهم الذي انتهت حياته بشكل ماساوي غرقا في البحر الابيض المتوسط، والذي كتب وصيته الا يقبر في مقبرة المسلمين وان عليهم حرق جثته ( نعومكين 2014 ).

السعي للحد من تأثير الإسلام في المجتمع وفي الدولة ظهر في تركيا عندما وصل إلى السلطة زعيم حركة “تركيا الفتاة” كمال أتاتورك (ابو الاتراك)، في عام 1924. فهو ألغى الخلافة، وغير ابجدية اللغة التركية من الحروف العربية الى اللاتينية، ونفذ على نطاق واسع مشروع نظام علماني ثم حذا حذوه في الاصلاحات فيما بعد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الذي حكم في سنوات 1957-1987. وتجدر الإشارة إلى أن النظام السياسي عمل في كلتا الحالتين (خاصة في تونس) رغم علمانيته على تقييد الكثير من الحريات.

كما يرى ف. أ. كوزنيتسوف ان انتقالاً عاماً حصل في الدول العربية من نطاق العلمانية نحو التدين ثم التدين الكامل [كوزنيتسوف 2013: 50] باستثناء الأنظمة السياسية “العلمانية” التي نشأت في العالم العربي والتي احتفظت بسيطرة الدولة على المجال الديني، ورغم ذلك، هي لم تكن بالمعنى الغربي علمانية بالكامل.

الالحاد وحتى العلمانية لم يجدا تجاوبا واسعا من قبل معظم سكان دول الشرق الاوسط في بداية 1920، وها هي قد انتعشت الحركة الاسلامية من جديد بعد جمود لفترة من الزمن.

الحدث الهام ذو الرمزية في هذه العملية كان تأسيس جمعية “الاخوان المسلمين” في الاسماعيلية في مصر 1928 من قبل حسن البنّا الذي انشأ هذه المنظمة السياسية التي كان يفنرض بها ان تحتل مكانة بارزة في الانظمة السياسية الحاكمة في المنطقة. وقد بدأ يظهر في عمل المثقفين البارزين في البلدان العربية بوضوح الاهتمام بالاسلام، كما ذكر هيكل عام 1935 في كتابه ” حياة محمد” الذي اصبح نموذجا.

وكان اللافت للنظر تحول المثقفين العرب نحو الاسلاموية وكانوا قد عبروا عن انفسهم سابقا كحاملين للأفكار العلمانية.

عباس محمود العقاد (1880 – 1964) بدأ بكتابة الاشعار الرومانسية  باللغة الانجليزية ثم صار بعدها مؤيدا للاسلام السياسي، وتلميذه سيد قطب (1906-1977) كاد ان يكون الاكثر شهرة في تاريخ الاسلام المتطرف والذي اعدم في مصر في عهد الرئيس جمال عبده الناصر. بالمناسبة سيد قطب بدأ حياته كشاعر وناقد أدبي والقطبية في الوقت الحاضر اصبحت واحدة من الاتجاهات الراديكالية الرئيسية في الاسلام السياسي (نعومكين 2015).

معروف جيدا النقاش الذي لا يهدأ حول توافق العقيدة الاسلامية مع القيم الديمقراطية. فوفقا لاحدى وجهات النظر تعتبر أن الحاجة الى دمج قيم الحضارة الاسلامية بالمبادئ الديمقراطية هي في حد ذاتها ومن حيث المبدأ خطأ لانها أصلا قيم ديمقراطية في طبيعتها ولا تتطلب الاعتراف بها من قبل قيم اخرى. اما وجهة النظر الاخرى فتتهم المجتمعات الاسلامية بانها استبدادية وتنتهك حقوق الانسان وتقيدالحريات. وهناك أنصار التقارب بين الرأيين. لنأخذ مثالا سامياً الا وهو اعلان حقوق الانسان لعام 1948. شارك في تأسيسه من العالم العربي في ذلك الوقت الدبلوماسي اللبناني والناشط السياسي الفيلسوف المسيحي شارل مالك، الذي اصبح لاحقا – إبان الحرب الاهلية اللبنانية – المرشد الأيديولوجي للقوات اللبنانية – الميليشيات المارونية اليمينية (علاوي 2099: 189). لاحقا برزت في العالم الاسلامي معارضة لبعض احكام هذا الاعلان ولا سيما المادة 18 منه الجادة في اختيار الاديان والتي تتعارض مع الاحكام الاساسية للشريعة. نتيجة لذلك وفي اطار منظة المؤتمر الاسلامي تمت صياغة اعلان القاهرة لحقوق الانسان الذي اعتمد في قمة منظمة المؤتمر الاسلامي في اغسطس- آب 1990 ( تمتلك روسيا صفة العضو المراقب في هذه المنظمة والتي تسمى منظمة التعاون الاسلامي).

ليس من الصعب تصور ان اعتماد هذا الاعلان ازال الاختلاف الاساسي مع الشريعة وقبل كل شي احكام المادة 18.

فالى اي درجة ممكن الاخذ بمفهوم حقوق الانسان المتنافي مع الشريعة في العالم؟ هل ممكن الحديث عن مفهوم عالمي شامل في هذا المجال ؟ هل من الممكن وعلى وجه الخصوص ان نفترض ذلك في المستقبل المنظور؟.

عملية التحديث في الاسلام، ستؤدي الى رفض حظر انتقال المسلم الى دين اخر والجواب الايجابي على هذا السؤال يصعب اعطاؤه، مع العلم ان الدول الاسلامية وخصوصا الشرق اوسطية دائما تقدم للعالم مفاجآت.

واحدة من السمات الاساسية في ملامح نظام المؤسسات في الشرق الاوسط هي الازدواجية او بصورة ادق متعددة بعدد المؤسسات الامنية التي لا تشكل خطرا على الدولة لكن تفقدها القدرة على الضبط والتحكم وتسهم في ايضا في ظهور الازمات وقد تتداخل مع اراء الدولة فتؤدي للتفكك. والمثال الابرز هو لبنان. فبالتوازي مع الجيش والشرطة توجد الوية مسلحة لحزب الله، وسلاح هذه الالوية يضم عشرات الألاف من الصورايخ. عام 2006 هذه القوى واجهت بشكل فعال الجيش الاسرائيلي اثناء غزوه لبنان. لكن في مايو – ايار 2018 ظهر مقاتلو حزب الله وسلاحهم بايديهم في شوراع بيروات وهذا اثار قلقا كبيرا عند خصومه.

وخلال الازمة السورية شارك الاف المقاتلين من حزب الله الى جانب الجيش السوري في المعارك ضد المعارضة السورية المسلحة وعند الضرورة اجروا مباحثات مع المتطرفين.

الخطر على دولتي الاردن ولبنان كان وجود الفصائل المسلحة لحركة المقاومة الفلسطينية وتجنب قيام دولة داخل الدولة ( هكذا اصبحت حركة المقاومة الفلسطينية في الاردن)، وكان جزء منها من ضمن استراتيجية الدولة ( قاسم 2010:192).

في العراق، ربما كانت قوات الحشد الشعبي التي اسست على اساس مذهبي الاكثر جدارة في قتال داعش، وغالبيتها الساحقة كانت تشكيلات شيعية وتخضع لتوجيهات العديد من القوى السياسية، إضافة الى التشكيلات السنية في كردستان العراق، بينما مهمة الدفاع عن السكان وحمايتهم قامت بها الميليشيات المسلحة – البشمركة التي حلت في الواقع مكان الجيش والشرطة مع العلم ان الهئيات الفيدرالية على ارض منطقة الحكم الذاتي لم تكن تعمل وفي نفس الوقت شاركت البشمركة بشكل فعال في الحرب ضد الارهاب الداعشي وحررت عددا من المناطق مع العلم انهم يأتمروان بأوامر مركز واحد وكل وحدة ينتمي مقاتلوها الى قوة سياسية واحدة ( بشكل اساسي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني).

بعد الاستفتاء الذي لم تعترف به بغداد والذي شارك فيه اكراد يعيشون في منطقة كركوك، التي لا تدخل ضمن منطقة الحكم الذاتي للأكراد، طردت وحدات الجيش العراقي قوات البشمركة من الاراضي التي سيطرت هذه عليها ( في الدرجة الاولى مناطق استخراج النفط) ودارت معارك بينهم ادت لسقوط ضحايا واتهمت قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني بأن قوات الاتحاد الوطني خذلته عندما عادت كركوك في ذلك الوقت.

لبنان، حتى الوقت الحاضر، باستثناء المرحلة الطويلة للحرب الاهلية الدموية بين ميليشيات المسلمين والمسيحين ( والفلطسينين ايضا) في الفترة بين ( 1945 – 1990) بقى دولة موحدة والحكومة تسيطر على جميع الاراضي.

يثير الاهتمام ان القوات العسكرية السورية التي دخلت لبنان عام 1976 بأمر من الرئيس السوري حافظ الاسد، لم تقف في البداية مع الحلف المسلم ( الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة كمال جنبلاط ومنظمة التحرير الفلسطينية) الذي دعا السوريين للدخول، بل وقفت مع اليمين الماروني المسيحي، فالرهان على الألفة الدينية او العرقية لا تعمل دائما في المنطقة. وخلال الحرب العراقية الايرانية على سبيل المثال راهنت طهران على الطائفة الشيعية التي تمثل 60 بالمائة من سكان العراق، لكن هذه الحسابات لم تكن مبررة، كذلك صدام حسين راهن على تضامن السكان العرب في المحافظة الايرانية خوزستان مع العراق، لكنهم حافظوا على ولائهم لايران.

في ليبيا بعد الاطاحه العنيفة بسلطة معمر القذافي بمساعدة التدخل المباشر للغرب برز العديد من التشكيلات الامنية وتشكلات الاسلاميين الراديكاليين مما عكس غياب السلطة الواحدة واشتدت الازمة الحادة للدولة وعمت الفوضى.

في اليمن تدور حرب أهلية تشارك فيها القطاعات المسلحة لحركة انصار الله او الحوثيون ( باسم القبيلة التي تشكل العمود لفقري لهذه القوات) ومجموعات عسكرية من الجيش اليمني مع المجموعات الارهابية المسلحة لتنظيم القاعدة.

في سوريا لم تتوقف المعارك الدامية منذ عدة سنوات وهي التي تخوضها اربع قوى اساسية: الجيش العربي السوري وقوات الامن السورية بالمشاركة مع قوات حزب الله والميليشيات الشيعية من العراق وباكستان وافغانستان بدعم من روسيا وايران.

وكذلك فصائل الارهابيين من ” داعش” وجبهة النصرة الذين يتلقون الدعم المباشر والغير المباشر من بعض القوى الاقليمية والغربية وفصائل حماية الشعب الكردي، المدعومة من اميركا وبعض حلفائها في التحالف ومجموعات مختلفة من المعارضة المسلحة المدعومة من اميركا ايضا وحلفائها مثل تركيا وبعض دول الخليج.

وتقاتل مع الحكومة ايضا قوات الدفاع الشعبي وهناك جزء منها اندمج مع الجيش السوري لكن حافظ على استقلاليته في العمل.

في ايران توجد قوات قوية موازية للجيش هي فيلق الحرس الثوري الاسلامي، المشارك في العمليات العسكرية في الخارج.

وحول الميليشيات العربية الجنوبية هناك ” الجنجويد” التي تقاتل بالتوازي مع الجيش السوداني ضد ميليشيات افريقية من قبائل دارفور وهذا كان قد سبق ذكره.

في السعودية هناك جنبا الى جنب مع الجيش وقوات الشرطة الحرس الوطني. كل هذه الهياكل تخضع للملك وهي تحت رعاية الحكومة وبدون شروط، لكن في العشر السنوات الاخيرة اصبحت تحت سلطة الاجنحة المتصارعة فيما بينها من العائلة الحاكمة والهادفة للحفاظ على مصالحها.

وليس من قبيل الصدفة ان اودع الشاب الداعي للاصلاح ولي العهد محمد بن سلمان في 4 نوفمبر – تشرين الثاني 2017 من اجل تأمين قدرة مركزية في ادارة الدولة وتعزيز مواقعها الخاصة الامير محمد بن سلمان وزير الحرس الوطني متعب بن عبدالله السجن وهو الذي يعتبر احد افراد العائلة الحاكمة.

تابع

اترجمة صادق النويني

 

لجزء الأول: http://ar.rusisworld.com/%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-

%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AC/

الجزء الثاني: http://ar.rusisworld.com/?p=33443

اترك تعليقا