الرئيسية » سياسة واقتصاد » أزمة الدول الوطنية في الشرق الأوسط (الجزء الثاني)

أزمة الدول الوطنية في الشرق الأوسط (الجزء الثاني)

فيتالين نعومكين

ثالثًا: هذه التحديات التي تواجه وجود الدول والقوميات المختلفة ادت الى ضرورة ايجاد المشاريع التكاملية. ونتيجة لذلك، توحدت بعض الدول واندمجت اندماجا كاملا رغم اختلاف مستوياتها ومعدلات نموها، وفي بعض الحالات، توحدت الدول بسبب وحدة العقيدة.

ونخص هنا الحركات العربية الثلاث: الناصرية والبعثية والقوميين العرب، التي كانت مهمتها الاساسية توحيد العرب في دولة واحدة، لكن كل محاولاتها في هذا الاتجاه لم تؤد الى قيام نظام الدولة المستقرة المستدامة.

فقط التكامل بين مصر وسوريا والذي ادى الى قيام الجمهورية العربية المتحدة واستمر اكثر من ثلاث سنوات (1958-1961) أصبح ولو لفترة بسيطة محاولة ناجحة بسبب وحدة العقيدة.

ومع ذلك ساهم جمال عبدالناصر نفسه، وهو الذي كان البطل الأكثر اثارة وتزعما للقومية العربية، في انهيار الجمهورية العربية المتحدة من خلال فرض خط يحظر أنشطة جميع الأحزاب السياسية في الجمهورية المتحدة، بما في ذلك حزب البعث، وهي كانت متجذرة في المجتمع السوري، خاصة بين اوساط الجيش.

ربما كان على حق، مادي وايزمان، الذي يعتقد أن “… واقع كثرة الدول العربية ادى في النهاية الى انتصار اعداء حاملى فكرة القومية العربية وكل المشاريع الخاصة ببناء الدولة اثبتت فشلها”. (مادي – وايزمان 2016: 214)

إن تنظيم الدولة – داعش المحظور في روسيا (نشأ عام 2014)، يطلق عليه قادته عادة تسمية رمزية هي “الدولة الإسلامية”. وهذ نموذج اخر من نماذج الدولة العابرة للقوميات (مؤسسوها ﺣﺎولوا أﻳﻀﺎ اﻟﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺪود اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﺑﻴﻦ اﻟﺪول اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ) منطلقين من الثوابت الايديولوجية، التي تتسم بصفة واحدة هي إلغاء الحدود الحالية سواء كانت قومية أو علمانية أو من الإسلام الراديكالي.

وإذا كانت القومية العربية العلمانية، كما سبق ذكره، تطرح شعار العروبة كعقيدة جديدة نشأت بعد التعرف والاطلاع على تجارب الغرب فالإسلاميون الراديكاليون كان هدف استراتيجيتهم هو إحياء الخلافة، وإن كان ذلك في شكل قبيح لا صلة له بالاسلام.

وفي حالات أخرى، لم تكن الوحدة مرتبطة بشكل مباشر بأي شكل من الأشكال بفكرة العقيدة بل بالمصالح السياسية للنخب الحاكمة والتي تتوافق إلى حد ما مع مزاج السكان.

رابعا: التحدي في المنطقة لا يزال يحمل معاني عكسية تهدد عملية التكامل وقد تؤدي الى تفكك دول او تهدد سيادة اراضيها وفقدانها لأجزاء منها، وهذه غالبا ما تكون عملية مهددة بالانتشار والتوسع إلى البلدان المجاورة فتكرّ المسبحة كما في ظاهرة الدومينو.

بعد إنهاء الاستعمار في الخليج الفارسي برزت بسرعة على خريطة الجغرافيا إمارات عربية اصبحت مستقلة مثل البحرين وقطر وهناك امارات اخرى اختارت طريقاً آخر واعلنت عن قيام اتحاد جديد بين هذه الامارات سمي بالإمارات العربية المتحدة.

في السودان، بعد عقود من الحرب الأهلية بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي انفصل جنوب السودان عن الدولة في 9 يوليو- تموز 2011. وقد كانت الانقسامات بين الطوائف وبين الأعراق هي العامل الرئيسي في تفكك الدولة الواحدة، ومع ذلك لا يمكن تجاهل عامل التنافس بين النخب السودانية نفسها.

وفي جنوب السودان الذي تأسس حديثا نشب على الفور بعد الاستقلال مباشرة، في ديسمبر – كانون الأول 2013، نزاع مسلح بين الجماعات العرقية القبلية المتناحرة – النوير والدينكا. وإن الحرب الدموية المستأنفة في عام 2016 لن يتمكن من ايقافها حتى تواجد قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة.

الصراعات القبلية، وصراع على السلطة والسيطرة على الموارد بين النخب أصبحت العوامل الرئيسية التي تهدد وجود الدولة السودانية. والاشتباكات المسلحة بين المجموعات القبلية المتنافسة من السكان ادت الى تشظٍّ متعدد المستويات في هذا البلد. وهذا يزعزع ويقوض نظام الدولة في المنطقة ككل.

كانت هناك أيضا حالات نادرة من الضم والاستحواذ، في عام 1938 على سبيل المثال اصبح لواء الاسكندرون الذي كان يتبع سوريا الواقعة تحت الانتداب الفرنسي ويسكنه في الاساس العرب والتركمان والأرمن ( منذ عام 1919 صار إقليمًا تابعًا لفرنسا)، جزءًا من تركيا، يتبع مقاطعة هاتاي التركية.

وفي ظل الصراع الحاد الذي شمل كل سوريا تم في عام 2017 انشاء ما يسمى بمناطق وقف التصعيد التي كان وجودها محددا بأطر زمنية، وهذا حمل معه تهديدا في حال تأجيل عملية التسوية السياسية. هذا فضلا عن ضرورة أن نأخذ بعين الاعتبار ان كلا من اللاعبيين الخارجيين يهيمن على منطقة معينة، وهذا يعتبر تمزيقا حقيقيا للبلاد السورية.

اما الاستفتاء الذي أقيم في كردستان العراق، في 25 سبتمبر- ايلول 2017، فكان محاولة جديدة من الاكراد لانشاء دولتهم الكردية وصوتت لصالحه الغالبية الساحقة (92.73 ٪) لكن نتائجه لم يعترف بها المركز في بغداد معتبرا ذلك الاستفتاء “غير قانوني” ومنافيا للدستور العراقي وايضا لم تعترف به الدول الاجنبية (باستثناء إسرائيل). ولا يوجد شيء يثير الدهشة في توجه بغداد نحو عدم السماح برفع مستوى تقرير المصير لكردستان العراق، وهكذا فهموا ان الحكم الذاتي الواسع الصلاحيات خروج من الدولة العراقية وهو الذي يعتبر من اهم الاراضي العراقية ومكوناته الرئيسية. وفي الوقت نفسه، أريد من خلال انضمام كردستان العراق إلى عراضة الاستفتاءات العالمية توضيح مسألة هي أنه لا توجد امة واحدة في العراق.

المعضلة القديمة: “الحق في تقرير المصير” – لم تفقد وحسب أهميتها، بل لا تزال أيضًا تحديا لم يتم حله بالنسبة للمجتمع الدولي والقانون الدولي.

خامساً : دول الشرق الأدنى والأوسط يحاصرها تزايد نشاط المليشيات وغيرها من التشكيلات المسلحة غير النظامية، التي تشكلت كأنها ” دولة داخل الدول”، مثل حزب الله اللبناني، وتشكيلات “الحشد الشعبي” في العراق، والجماعات المعارضة المسحلة في سوريا أو مكون حركة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن.

في السودان، في عام 2003، اشتعل الصراع المستمر حتى يومنا هذا بين القوات الحكومية وتلك التي تقف الى جانب الشرطة المحلية العربية البدوية “الجنجويد” من جهة ومسلحين من الجماعات المتمردة من القبائل ذات الاصول الغير العربية في دارفور – من جهة أخرى. وهذا الصراع يختلف عن ذلك الصراع بين الشمال والجنوب لان جميع المشتركين فيه مسلمون لكنهم ينتمون الى مجموعات عرقية مختلفة.

سادساً : مشاركة الجيش في السياسة تصل إلى حد الانقلابات العسكرية التي تؤدي نتائجها الى الإطاحة بالانظمة الحاكمة الشرعية وإقامة سلطة عسكرية. هناك الكثير من الأمثلة على ذلك، ولا تزال هناك في المنطقة حكومات معظمها من الضباط السابقين

سابعا : الانظمة الحاكمة المحلية يقوضها التدخل الخارجي، بما في ذلك استخدام الخارج للقوة العسكرية والذي يؤدي إلى تغيير النظام، والإطاحة بالزعماء والقادة والحكومات. العراق وليبيا – ابرز الأمثلة على مثل هذه التدخلات التي يقدم عليها الغرب وفي مقدمته االولايات المتحدة. هناك حاليا في المنطقة عدد كبير من القواعد العسكرية وغالبيتها أمريكية.

ثامناً : عدم تجانس التركيبة العرقية والطائفية للسكان ووجود علاقات قبلية ورعوية. كل هذا يمنع خلق هوية مدنية مشتركة ووحدة وطنية وهذا يكون السبب في استمرار تأجيج الصراعات المستقبيلة.

تاسعا : مشاريع الاستعمار والاستعمار الجديد، تقوض الدولة القائمة بالفعل، وتعمل على منع تقرير المصير للدول الناشئة. وينطبق هذا في المقام الأول على العرب الفلسطينيين، الذين لا يستطيعون حتى الان تكوين دولتهم، على الرغم من وقوف القانون الدولي الى جانبهم.

عاشرا: التحدي الإسلامي يبعد الدول القومية عن الحداثة، باسم العودة إلى القيم الدينية الزائفة. والمثال الأكثر لفتاً للانتباه هو قصر فترة بقاء جماعة الإخوان المسلمين في السلطة في مصر، هذه الجماعة التي فازت في انتخابات ديمقراطية بعد الإطاحة بنظام حسني مبارك، و استطاعت الجماعات الشبيهة بالإخوان في مصر كحركة النهضة التونسية ان تبقى لفترة في الحكم، لكنها بخلاف الزملاء المصريين، حافظت على نفسها كقوة سياسية شرعية.

كتب جون تشلكرافت ان الموضوع السائد في التعبئة بين عامي 1914 و 1952 كان مشاريع “البحث عن مزيد من التمثيل في الدولة باسم الأمة “، وكان في فترة 1952- 1976 الحركات اليسارية الثورية التي “تطلعت الى استخدام الدولة من اجل التحرر الوطني والتحولات الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل”. والبرهان يؤكد على أن “الهزيمة النهائية لهذا النوع من المشاريع في الساحة الإقليمية كانت في ” لبنان الصغير”، عندما قضت السياسة الفعلية للديكتاتورية السورية على الاشتراكية والديمقراطية في الحركة الوطنية اللبنانية التي كانت في تحالف مع الثورة الفلسطينية”.

ولكن في فترة 1977-2011، “تغيرت طبيعة التعبئة في المنطقة تغيرا جذريا حسب رؤيته. فتحولت مشاريع التعبئة الثورية في ظروف أزمة الدولة العلمانية إلى السياسة الإسلاموية، التي حددت المسألة بضرورة استبدال الدولة العلمانية الفاسدة بالدولة الإسلامية”.

منذ اعوام 1950، والاتجاهات المختلفة للإسلاميين – الشيعي الشعبي والسني المحدَّث والسلفي – الوهابي كلها سعت إلى إعادة التجمع في مواجهة ما يرون أنه اغتصاب علماني قبيح لمصير الدول المستقلة في المنطقة ( تشاركرافت 2016 :393 ).

تابع

ترجمة صادق النويني

 

الجزء الأول: http://ar.rusisworld.com/%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AC/

اترك تعليقا