الرئيسية » سياسة واقتصاد » شركة التنقيب الروسية “نوفاتيك” Novatek وإشكالية الغاز اللبناني

شركة التنقيب الروسية “نوفاتيك” Novatek وإشكالية الغاز اللبناني

يتمثل الهدف الرئيسي للسياسة الروسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الفترة المقبلة في تحويل النفوذ الروسي العسكري والسياسي المتزايد في هذه المنطقة إلى مشاريع تجارية ناجحة ومربحة. وقد أصبح هذا الأمر اليوم أكثر أهمية وراهنية نظراً لهمروجة العقوبات التي تفرض على روسيا من كل حدب وصوب. وطموح الولايات المتحدة الواضح لإخراج روسيا من سوق الغاز الأوروبية ليس  من شأنه سوى أن يعزز النية المعلنة منذ فترة طويلة من قبل السلطات الروسية، نية “الانعطاف نحو الشرق”. والمقصود بـ”الشرق” في السياق الاقتصادي لهذه السياسة الروسية الجديدة هو الصين وجنوب شرق آسيا كأسواق لتصريف مصادر الطاقة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كمصدر إضافي للنفط والغاز.

هل في لبنان غاز؟

في العقد الأخير من السنين، بدأت شركات النفط والغاز الروسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نشاطاً غير مسبوق. فباستثناء إسرائيل، لم يبق في المنطقة بلد لا تتواجد فيه شركات النفط الروسية، من منتجي الغاز إلى مصنّعيه إلى ناقليه. حتى الممالك النفطية العربية في الخليج، التي كانت حتى وقت قريب جدا تنظر إلى روسيا كمنافس وكغريب، بدأت تعمل في مشاريع مشتركة مع شركات النفط والغاز الروسية على أراضيها، وفي بلدان ثالثة، وفي روسيا نفسها. وقد انضم هذا العام إلى عداد هذه البلدان لبنان الذي وقع في 9 فبراير/شباط مع شركة “NOVATEK” اتفاقاً للتنقيب عن النفط والغاز والإنتاج في نطاق كتلتي الجرف القارّي البحريتين رقم 4 ورقم 9 في شرق البحر المتوسط. في هذا المشروع تعمل NOVATEK  كشريك ضمن كونسورسيوم مع شركتي توتال الفرنسية وإيني الإيطالية. علما أن حصة “نوفاتيك” في الاتفاقات هي 20٪، فيما حصة كل من توتال وايني تصل إلى 40٪، ومشغِّل المشروع هو توتال.

لم يكن لبنان يوماً دولة ذات احتياطيات هيدروكربونية ذات شأن. فقد تحدث البروفسور في الجامعة الأميركية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي زياد بيضون فقط عن بعض مظاهر لوجود نفط بكميات غير تجارية في مناطق البر اللبناني. أما الدكتور في الجيولوجيا النفط والمعادن ميشال يمين (معدّ هذه المقالة) فقد أثبت في دراسته المقدمة في عام 1980- 1981 لنيل أطروحة الدكتوراه والمعدة داخل جدران جامعة موسكو وجامعة الصداقة بين الشعوب تحت إشراف البروفسور غليب أجغيراي من خلال استخدام الصور الفضائية الأميركية “لاندسات” للمنطقة وغيرها من المعطيات الجيوفيزيائية احتمال وجود كميات كبيرة من الهيدروكربون في منطقة الجرف القاري لشرق المتوسط بفضل وجود صدوع متدرجة موازية للصدع اللبناني السوري (الذي سماه الجيولوجي الفرنسي دوبرتريه راسم خريطة لبنان الجيولوجية في أوساط ستينيات القرن الماضي “صدع اليمونة” في لبنان) وتكوّن كميات هائلة من التوضّعات الرسوبية في شرقي الحوض المتوسطي. وهذا من الناحية النظرية أساس تكوّن وهجرة النفط والغاز ووجود مكامن نفطية غازية ذات احتياطيات كبيرة.

فقط في عام 2010، بعد اكتشاف الشركة الأمريكية “نوبل للطاقة”Noble Energy  في الجزء المقابل لفلسطين المحتلة من الجرف القارّي للبحر الأبيض المتوسط ​​حقلا من النفط والغاز تبلغ احتياطياته من الغاز الطبيعي 453 مليار متر مكعب، تحمس اللبنانيون وهم يعوّلون على العثور على احتياطيات مماثلة في مياه لبنان الإقليمية. حقل الغاز الذي تستغله إسرائيل سمي “Leviathan”. وهذا أكبر حقل غاز من بين ما تم اكتشافه في أولى سنوات الألفية الثانية في العالم. وفي ما عداه، تم العثور ​​أيضا في نطاق الحوض النفطي والغازي لمنطقة الشام Levant في الجرف القارّي للبحر الأبيض المتوسط على حقول الغاز “الظهر” في مصر، و”تامار” في إسرائيل، و”أفروديت” و “كاليبسو” في الجرف القبرصي ويجري الآن استغلالها. ووفقا للتقديرات الأولية لهيئة المسح الجيولوجي الامريكية قد تحتوي منطقة حوض الشام على ما يصل إلى 3.5 تريليون متر مكعب من الغاز و 220 مليون طن من النفط. ويتجاوز عمق البحر قبالة ساحل لبنان في بعض الأماكن 2 كلم. ويمكن لاحتياطيات الغاز في حقول لبنان أن تصل إلى 700 مليار متر مكعب.

إن احتمال وجود احتياطيات من الغاز خاصة بلبنان المضطر حاليا أن يكون تابعاً طاقياً لمن يزوده بمصادر الطاقة والغارق في الديون، والمجبر على صرف ما يصل سنويا إلى 2.5 مليار دولار أميركي لشراء وقود الديزل لتوليد الطاقة، ما هو إلا منّ وسلوى من السماء. وإذا جاءت نتائج الحفر التنقيبي للكونسورسيوم الفرنسي الإيطالي الروسي إيجابية، فإن لبنان سيصبح قادراً فجأة وفي ليلة قدر على تلبية كامل احتياجاته من خامات الهيدروكربون. وعلاوة على ذلك، يعلل اللبنانيون النفس، إذ يرون أمام أعينهم مثال الدول المجاورة، بأمل أن يتحول لبنان من دولة مستوردة إلى دولة مصدرة للمواد الهيدروكربونية. ومن ثم فإن البلاد ستكون قادرة جزئيا على الأقل على حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تراكمت مدى عقود من الزمن، الناجمة عن الدين المزمن، وعلى إعادة تأهيل البنية التحتية نهائياً بعد 15 عاما من الحرب الأهلية، واستقبال اللاجئين السوريين والفلسطينيين، الخ.

قليل من الجغرافيا السياسية وكثير من النشاط الاستثماري

بيد أن مجرد وجود علامات تدل على احتمال تحول لبنان إلى دولة تنتج الطاقة من النفط والغاز بات مصدر قلق لجارها المباشر إسرائيل واللاعبين الخارجيين – الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. فهؤلاء يخشون – ظاهرياً – من أن تستخدم الإيرادات الإضافية من أي تصدير محتمل للغاز اللبناني لتعزيز دور الطائفة الشيعية في لبنان، وهي تتمثل بالنسبة إليهم بما يسمونه “الجناح العسكري لميليشيا حزب الله المسلحة”. ومعلوم أن حزب الله اللبناني قاوم إسرائيل ولا يزال، مدعوماً من قبل إيران، وفي الحقيقة يخشون من تحول لبنان إلى دولة مستقلة اقتصادياً وسياسياً وغير محتاجة لـ”دعم” الأشقاء العرب الأغنياء. ومن هنا كانت الاحتجاجات العنيفة ضد حفر الآبار في الجزء المحاذي للدولة العبرية، في الكتلة رقم 9، على الرغم من أن العمل فيه سيتم في الموقع المتنازع عليه، بناء على إعلان أعضاء الكونسورسيوم، على مسافة 15 إلى 25 كيلومترا من الحدود. وربما كانت هذه الضغوط الإسرائيلية الصاخبة هي التي أجبرت رئيس شركة “نوفاتيك” الروسية ليونيد ميخلسون على أن يبرر أمام أعين الملأ التأخير في التنقيب بالقول ​أن الاستثمار في التنقيب على الجرف اللبناني نتيجته ضئيلة فلا داعي لمناقشته. بالإضافة إلى ذلك، قال ميخلسون خلال مؤتمر صحافي عبر الهاتف، إن من المقرر أن يبدأ العمل فقط في العام المقبل، عام 2019، وهناك – إما أن يموت الحمار أو أن يموت جحا.

ترتبط شركة “نوفاتيك” المنخرطة في المشروع اللبناني بشكل وثيق بالحكومة الروسية، وهي لا تعمل هناك كشركة تجارية بحتة، بل كعميل للدولة الروسية. وللبنان أهمية خاصة بالنسبة للدولة الروسية في الظروف المعاصرة، أولاً وقبل كل شيء، كدولة لها حدود مشتركة مع سوريا. وشاركت فصائل حزب الله اللبناني في العمليات العسكرية ضد الإرهابيين في سوريا فقاتلت هناك بمهارة ونجاح. وروسيا بخلاف “شركائها” الغربيين والشرقيين، ليست لديها مشكلة في خلق “هلال شيعي” في المنطقة، وتحاول تالياً بكل الطرق المساعدة على تقوية لبنان وتعزيز سيادته، بغض النظر عن الخلافات الطائفية والمذهبية بين اللبنانيين.

إن لبنان المستقر والمزدهر والودود كـ”خاصرة” لسوريا سيسهل إلى حد كبير على روسيا عملية التهدئة النهائية وإعادة تعمير سوريا لاحقاً. وليس صدفة أن تكون مشاركة الشركة الروسية في العمل في المياه الإقليمية لهذا البلد قد تزامنت مع الحديث عن توقيع اتفاقية حول تعميق التعاون العسكري التقني مع لبنان. ففي فبراير / شباط 2018 نفسه، أصدر رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف تعليماته إلى وزارة الدفاع الروسية بإعداد اتفاقية تعاون عسكري مع لبنان تحدد “إطاراً شاملاً للتنسيق” مع الجيش اللبناني. وتنص أحكام المعاهدة المستقبلية على إجراء تدريبات عسكرية مشتركة واستخدام الموانئ والمطارات العسكرية اللبنانية من قبل روسيا. بالإضافة إلى ذلك، يعني التعاون الروسي اللبناني في المجال العسكري التقني أيضا “تبادل المعلومات حول وسائل الدفاع وتعزيز إمكانيات الأمن الدولي، وتكثيف التعاون على مكافحة الإرهاب؛ وتحسين التعاون المشترك في مجال تدريب الكوادر والتدريبات العسكرية وتعزيز القوات المسلحة؛ وتبادل الخبرات في مجال تكنولوجيا المعلومات؛ وإنشاء آليات للتعاون بين جيشي البلدين”. ويهتم لبنان من جانبه أيضا بتوسيع رقعة التعاون مع روسيا في المجال العسكري التقني. بادئ ذي بدء، لأن الانخراط المعمق الاقتصادي والعسكري للاتحاد الروسي في الشؤون اللبنانية والإقليمية يعطيه ضمانة أمنية كبيرة. ويتوقع اللبنانيون في الوقت نفسه أن يصبحوا قادرين على الاعتماد على روسيا في مواجهتهم لمحاولات جر لبنان إلى مواجهة جديدة هم في غنى عنها مع إسرائيل التي تدفعها لهذا الدوائر السنية المتطرفة في المنطقة.

لقد كان احتمال إقامة علاقات أوثق بين الاتحاد الروسي ولبنان مفزعا للغاية لأصدقاء روسيا الميامين وشركائها الغربيين. فوسائل الإعلام الأمريكية مليئة بالمواد التي يُزعم فيها أن روسيا تنوي أن تنشئ في لبنان قاعدة بحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط​، بالإضافة إلى طرطوس السورية. وقد عمد دبلوماسيون غربيون في بيروت – السفيرة الأمريكية إليزابيث ريتشارد والسفير البريطاني هيوغو شورتر – على الفور إلى الضغط على رئيس الوزراء سعد الحريري، وحثوه على عدم التوقيع على الاتفاقيات مع روسيا مؤكدين ضمان مواصلة تقديم المعونة للجيش اللبناني. لذا ما زال مفتوحاً سؤال ما إذا كان اللبنانيون سيقررون معارضة رعاتهم الغربيين والتوقيع على اتفاق مع وزارة الدفاع الروسية. فروسيا بحاجة إلى ضمان مزيد من الأمن لأصول الطاقة المتوسطية التي حصلت عليها مؤخراً في مصر وسوريا ولبنان، وربما في المستقبل القريب – في ليبيا. وهذا ما يهم موضوعياً دول حوض البحر الأبيض المتوسط أيضاً.

د. ميشال يمّين

اترك تعليقا